[وصية والده]
ذكر العباسي في كتابه أنه لما توفي الهادي إلى الحق عليه السلام أوصى إلى ابنه أبي القاسم محمد المرتضى وعهد إليه عهداً فيما بينه وبينه، وأمره بتقوى الله وطاعته، لم يخلف ديناراً ولا دِرهماً ولا عقاراً، ولا أثاثاً، وجزع المسلمون عليه جزعاً شديداً وبكوا عليه، وسُقِط في أيديهم وقت وفاته، وفُتَّ في أعضادهم وذهِلت عقولهم، وخافوا على نفوسهم وأهاليهم وأولادهم الهلكة من غلبة القرامطة، وأهل البدع في استيلائهم على بلادهم، وألحوا على المرتضى في أخذ بيعتهم، وانثالوا عليه من كل فج عميق، وقالوا له: لايسعك خذلاننا ولا يجوز بينك وبين ربك التقاعد عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدفع عن المظلومين، ونحن أجنادك وأولياؤك على الحق، نفديك بأنفسنا ونواسيك بأموالنا حتى تقيم كتاب الله، وتحكم بسنة رسول الله وتحيي ما أماته الفاسقون من شرائع دينه، فدافعهم المرتضى أحسن دفع وخاطبهم بأجمل المخاطبة، وعاتبهم أبلغ المعاتبة على ما كان من تفريطهم وتقصيرهم في معاونة الهادي رضي الله عنه على الحق ونصرته على أهل الباطل، وامتنع مما دعوه إليه من جميل ولم يؤيسهم منه أياسا قاطعا.
وقال لهم فيما كان يخاطبهم به: أنتم معاشر المسلمين على خير، ولم تعدموا إن شاء الله ما تريدونه منا، ولكن لنا عليكم شروط نشترطها، وأمور من الحق نصفها ونبينها لكم، ولا يصلح الدخول في مثل هذا الأمر بالعجلة، ولا يجوز الإقدام عليه بالتعسف، بل نقفكم من الأمر على صحته، وننا ظركم على ما يجب علينا وعليكم من فرض الله عزَّ وجل وحكمه فينا وفيكم، ولكم إلينا عودة إن شاء الله.(1/530)
فلما أصبح الناس قصدوا بأجمعهم باب المرتضى فكثر جمعهم وامتلأت المحال والأسواق والطرق والمساجد منهم، فخرج إليهم المرتضى عليه السلام وعليه السكينة والوقار وسيماء الأئمة الأبرار، فلما بصر الناس به ووقعت أعينهم عليه ارتفعت أصواتهم وأجهشوا بالبكاء ودعوا بالويل والثبور، فسكن منهم المرتضى فلما سكتوا وسكنت أصواتهم، قال: جزاكم الله من أهل محبة وولاية خيراً، ونعم الإمام كان لكم الهادي رضي الله عنه الناصح لكم الحدب عليكم، كان والله حريصاً على إرشادكم طالباً لصلاحكم «مؤثراً لكم»، حاملاً لكم على ما فيه نجاتكم، داعياً لكم إلى ما يقربكم إلى الله، زاجراً لكم عمَا يبعدكم منه، حاكماً فيكم بالعدل والقسط، لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا عذل عاذل، على مثله فليكثر البكاء والأحزان، والندم والحسرة والأشجان، ولكن المرجع إلى الله عزَّ وجل في جميع الأحوال، والعمل بالتوبة والدعاء إليها والحث عليها أولى بنا وبكم، ولنا ولكم فيما نزل بنا من الأمر العظيم وحل بساحتنا من الفادح الجسيم أسوة برسول الله وبالأئمة الماضين من عترته صلوات الله عليهم فإنا لله وإنا إليه راجعون، رضاءً بقضائه وتسليماً لأمره، والموت سبيل الأولين وطريق الآخرين، وبذلك حكم على عباده رب العالمين، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها وهو تبارك و تعالى خير الوارثين، ثم بكى بكاءً شديداً وأنشأ يقول:
يسهل ما ألقى من الوجد أنني .... مجاوره في داره اليوم أو غدِ
وارتج البلد بالبكاء، وتكلم كل واحد منهم بمبلغ رأيه وعلمه.(1/531)
[خطبته بعد وفاة والده (ع)]
فلما هدأت الأصوات، وسكنت الأجراس، قال المرتضى -رضي الله عنه: الحمد لله رب العالمين، ومَالك يوم الدين، ونستعينه على شكر ما أصبحنا نتقلب فيه من نعمه التي لا تحصى، ونحمده على ما أصابنا من خير وبلوى، ونسأله الصلاة على سيد المرسلين، وإمام المتقين محمد النبي المصطفى وآله أجمعين، ثم إن الله جل وعز أمر أموراً، وفرض على خلقه فروضاً، لم يرض منهم إلاّ بالعمل بها، والتسارع إلى ما فرض الله عليهم منها، وأرسل محمداً خاتم النبيين، بشيراً ونذيراً إلى جميع المخلوقين، وأنزل عليه كتاباً فيه نور مبين، وشفاء لما في الصدور، ?لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد?[فصلت:42]، أمر عباده بالعمل على ما فرضه عليهم وأكد من الأمر عليهم بعد أن أعطاهم الاستطاعة، ومكنهم من القدرة على ما أمرهم به ودعاهم إليه ?لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ الله لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ?[الأنفال:42].
ولسنا (رحمكم الله) بأبناء دنيا فنتكالب عليها، ولا بأهل الباطل فنطلب الأمارة والسلطان والأمر والنهي من غير استحقاق، وعلى غير جهة رشد وسداد، واستقامة وصلاح، أكثركم يعلم كيف كنتم للهادي رضي الله عنه بعد دعائكم إياه إلى بلادكم وبيعتكم له على كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم وإحياء معالم الدين، ومجاهدة الجبارين الظالمين، ألم ينقض أكثركم تلك العهود المؤكدة والمواثيق المغلظة؟!
ألم ينكث جلكم أيمانكم بعد توكيدها، وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً؟!
ألم يدع أكثركم الحق جهراً واتبع الباطل وباع الكثير الباقي بالتافه اليسير الفاني؟!(1/532)
وكان رضي الله عنه يقاسي منكم الأمرين، وتصيبه منكم المحن المتواترة، وتعاملونه بأقبح المعاملة، وتقابلونه على جميع أفعاله معكم وإحسانه إليكم وعفوه عن ذنوبكم بالإساءة إليه والخروج عليه فصبر من ذميم أفعالكم وقبيح معاملاتكم على ما لايصبر عليه إلاّ من امتحن الله قلبه بالتقوى، ونوره باليقين والهدى، ما قصر ولا وني من دعائكم إلى رشدكم، وإلى طاعة ربكم، ولاسئم من نصحكم والشفقة عليكم، ولا ترك تقويم المُتَئود منكم، ولا بخل بما حوته يده عليكم، ومواساتكم بنفسه وماله، لم يتعلق عليه أحد منكم بمظلمة، ولا ادعى عليه أحد عدولاً عن الحق، وميلاً إلى الهوى، ومحاباة لولد وذي قربى، بل كان يعمل بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم قد جعلهما نصب عينيه، لا يفارقهما ولا يزايلهما، ولا يدع العمل بهما، فأفعالكم التي تفعلون، وسيرتكم التي بها تسيرون، وطرقكم التي فيها تسلكون لا نحمدها ولانأمن من الله عزَّ وجل العقوبة على مقارتكم عليها، ومداجاتكم فيها، وأنتم إلى الباطل تميلون، وعن الحق تفرون، وفي معاصي الله تسارعون، ولولا إيثار طاعة الله والائتمار لأمره والوقوف عند ما حد من حكمه، لكان ما عرضتم علي منه من طلب الدنيا وإرادة من اتبع الهوى، هيهات لا أزول عن أمر الله شبراً، ولا أفارق حكمه فِتراً حتى ألحق بالله على بصيرة، وألقاه جل وعز بعزيمة صادقة، فإن تقبلوا إلى طاعة الله وتنقادوا لأمر الله وتصبروا على حكمه فيما ساءكم وسركم، وأعطاكم وأخذ منكم، كنتم من الفائزين، وعند خالقكم من المقربين، فاتقوا الله وارجعوا باللوم على أنفسكم وتوبوا إلى الله رب العالمين، وقوموا له قانتين، ولأوليائه موالين، ولأعدائه معادين، ولأهل معصيته منابذين، ولمن خالف أمره مهاجرين، ولآثار رسوله متبعين، وللمعصية والفسوق تاركين، وبالمعروف آمرين، وعن المنكر ناهين، وللأئمة الصالحين من أهل بيت رسول الله مطيعين، واعلموا ?إِنَّ الله مَعَ(1/533)
الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ?[النحل:128].
ولم ينو المرتضى رضي الله عنه ملابسة هذا الأمر، ولم يرد اعتناقه والقيام به بوجه من الوجوه؛ لمعرفته بسوء نية أهل اليمن وعلمه، ولكنه لم يؤيسهم ولم يبعدهم من طلبتهم، خوفاً من تغلب القرامطة على تلك البلاد، وخشية على الضعفاء والأرامل والأيتام من السبي والغارة، فكاتب حلفاء أبيه الهادي عليه السلام من قواد بلاد اليمن ومخاليفها فاقرهم علىما كانوا يتولونه من الأعمال وأمرهم بضبط ما في أيديهم ومحاربة من قصدهم من القرامطة والمخالفين، وأمرهم بالتعاون والتناصر، وأن يمد بعضهم بعضاً إذا احتاجوا إلى ذلك، وأمرهم أن يقسموا الأعشار والصدقات، ومَا يجري مجراها من الأموال على ما كان الهادي رضي الله عنه يقسمها، لم يتناول منها دِرهماً فما فوقه، ولم يتناول من طعامهم طعاماً.
فلما استقامت له الأمور، جد في تسريب الخيول لقتال القرامطة وأهل البدع والزيغ في الإسلام، فنصر الله أولياءه على أعدائه، وعلت كلمة الحق وقتل القرامطة في كل فج، وآمن الله المرتضى لدين الله والمسلمين من شر القرامطة، وجعل دائرة السوء عليهم، وقتلوا في كل موضع. والحمد لله رب العالمين.(1/534)