قال العباسي: سمعته «يوماً» يقول: ما أعلم اليوم راية مثل راية بدر إلاّ رايتنا هذه، ولا عصابة أفضل من عصابتنا هذه، ثم قال: وكيف لايكون ذلك وإنما همكم إظهار الدين وإحياء كتاب رب العالمين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ترقدون ولا تمنون بظلم وتقومون كذلك.
وسمعته يقول: قد قلت والله مرتين: لو علمت أن أحداً أقوم -في هذا العصر- مني لاتبعته حيث كان، وقاتلت بين يديه، ولكني لا أعلمه.
وسمعته يقول وبيده مصحف: بيني وبينكم هذا، فإن خالفت ما فيه بحرف فلا طاعة لي عليكم، بل عليكم أن تقاتلوني.
وكان يقول: لوددت أنه كانت لي سعة في الجلوس، وإنما خرجت اضطراراً لقيام الحجة عليّ، ثم فتح نجران وأقام بها وساير الأمور في جماعتها ثم عاد إلى صعدة، وكان شجاعاً يضرب به المثل وكان يقول في حروبه ويصيح: كيف رأيتم قتال أهل العدل والتوحيد وكان ابنه أبو القاسم معه وهو الشجاع المجرب ثم فتح خيوان ودان له الناس وكان يقول الشعر، فمما قال:
أنا ابن محمد وأبي علي .... وعمي خير منتعل وخالي
بحذوهم لعمركم احتذائي .... كما حذي المثال على المثال
أنا الموت الذي لا بد منه .... على من رام حربي واغتيالي
أخوض إلى عدوي كل هول .... وأصبر عند معترك النزالِ(1/525)


[فتح صنعاء ونواحيها وأسر ابنه المرتضى]
ثم فتح صنعاء ودخلها وأقام بها، وشرد المخالفين عنها، وأخاف الظالمين من أهلها، وأقام العدل في كافتها، ثم حاربوا الهادي وابنه المرتضى، وأسروه من موضع يعرف بمدر في شهر رجب من سنة تسعين ومائتين فغدوا بهم إلى صنعاء فبيتوهم في بعض الطريق، فلما أصبح اليوم الثاني وهو يوم الخميس، غدوا لهم بالإبل فأركبوهم عليها، وكان أبوالقاسم على بغلة تجاه أصحابه ومضوا بهم حتى أدخلوهم صنعاء، وطافوا بهم في أسواقها وخذل بذلك أهل صنعاء خذلاً شديداً، وانصرف الهادي إلى الحق حتى صار إلى ورور، وتتالت إليه الأخبار، وأقام بها، وأخباره يطول وأطلعوا أبا القاسم حصن بيت بوس وصاحبه، فكان مما قاله وهو مأسور في بيت بوس أشعار منها قوله:
يا بيت بوس حللنا في حواك على .... خذلان أمتنا من بعد ميثاق
ماذا اعتذارهم عند النبي غداً .... إذ لا تقومون في نصري وإطلاقي
أيطمعون بدار الخلد إنهم .... فيما رجوه على حَدْبَاءَ مِنْ لاقِ
ليس الرسول براض بالذي فعلوا .... إذا لهم كشف الهادي عن ساق
قل للعبيد إذاما جئت ناديهم .... وحولهم خزوا من كل فساق
كأنني بعد أيام بدولتكم .... وأنتم مزق في كل آفاق
حتى على رغمكم أنجو ويعقبكم .... ربي بجدة دنياكم بإخلاق
لا تأمنني فإن الدهر ذو عقب .... والله يحدث أمراً كل إشراق
حسبي عليكم هلاك واذكروا خبري .... إن النصيحة لا تشرى بأوراق
أكل يوم أراكم تنقصون وقد .... أرى عدوكم يعلو بإسحاق
لا تحسبوا أنني آسىلحبسكم .... ونحوكم كان بقربتي وإعتاقِ
إن الذي نالني فتح علي لما .... نويت في الله مع صبري وأخلاقي(1/526)


وقال أيضاً وهو مقيد:
لا تكثروا إن قلبي ليس يفزعه .... ثقل الحديد وحق الغر أَجْدَادِي
ما زرتكم بقفا الخلى من عنت .... في يوم (أتوه) لو أوفوا بميعادي
لكن همدان خلونا وما حفظوا .... لنا ذمام رسول الله في النادي
ولوتنا صفت الأبطال في حدد .... ما كان عمرك رهط العبد أندادي
لو كان حولي خولان لما رضيت .... يوماً بتركي وفدوني بأولادي
وأنفس واقيات بالذمام إذا .... جاءت اللئام فهم هم خير أسادي
السابقون إلى التقوى بفخرهم .... الذائدون العدا عن حوزة الهادي
ذاك الإمام أمين الله قد علموا .... وناشر الحق في الحضار والبادي
وقال أيضاً:
أتعلم يا ركيك بني طريف .... بأني ما نهضت من الحجاز
وفي أملي البقاء لملك دنيا يدوم .... وما وقيت من المراز
ولكني نهضت بثار ربي .... أذل الظالمين لدى البراز
بطعن في الخواصر والتراقي .... وفي الأواسط ينفذ كالحراز
أو الأخرى فتلك أجلُّ قدراً .... وأعظم للثواب لدى المجاز
وهمك أنت قينات وخمر .... وفسق لا تفيق من المخاز
فميز بين فعلكم وفعلي .... وبين غوى كفرك واحتراز
تجدني إن صدقت أحق منكم .... وأولى بالمقام وبالحياز
وإن أبي الإمام وإن رغمتم .... له الرحمن بالإحسان جاز(1/527)


وقال أيضاً:
وإليك يابن العبد إن قيودكم .... لأقل في عيني من البواغي
فاربع عليك فليس شيمة مثلنا .... جزع النفوس بمعضل البلوائي
أعلي تجلب بالقيود وإنما .... هوى الحياة مخالف آبائي
أحسبتني هَلِع الجنان وإنما .... أرضي تسيل عليكم وسمائي
بالصبر إن خلائقي محمودة .... وكذاك كان الغُرُّ من قدمائي
وبصيرتي في الدين تحجب نورها .... زلل الطباع إذا أردت منائي
لو شئت أن لا تعتريني محنة .... لأقمت بين مطارحي ووطائي
ورفضت كل مجبب طاوي الحشا .... وهجرت كل صوارمي وقنائي
ولما قصدت الظالمين بمهجتي .... وطلبت حر ضرامها بضبائي
فعلي ليس تجوز خطة باطل .... وعلى سواي فَهَوِّلُوا أعدائي
ثم أطلقوا عنه بعد أيام، «وكان مروره رائحاً على مدينة شبام، وخلع عليه ابن أبي يعفر وركبه فرسين وراح إلى الهادي عليه السلام رجع!» ولم يزل عليه السلام في الجهاد مع المسودة والقرامطة والظالمين والفاسقين، ومع أهل صنعاء ومخاليف اليمن، ومع أهل نجران حتى توفي عليه السلام بصعدة وكانت وفاته -يعني الهادي عليه السلام- عشية الأحد لعشر بقين من ذي الحجة سنة ثمان وتسعين ومائتين.(1/528)


[(24) الإمام المرتضى محمد بن يحيى بن الحسين (أبو القاسم الداعي)]
[278 - 310 هـ / 891 - 922 م](1/529)

105 / 118
ع
En
A+
A-