[وفود أهل اليمن إليه (ع) المرة الأولى]
إلى أن وافاه وفد أهل اليمن يدعونه إلى بلادهم، ويعدونه النصرة والمعونة والتأييد والمواساة بأنفسهم وأموالهم، وجمع أيديهم إلى يده على إحياء دين الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ومجاهدة أعداء الله وأعداء دينه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك في سنة أربع وثمانين ومائتين، فنهض معهم وأجاب دعوتهم وأغدى السير حتى وافى صعدة من أرض اليمن فأظهر أهلها السرور بمقدمه، واجتمعوا إليه وبايعوه على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فأقام بين أظهرهم شهراً، آمرا بالمعروف، وناهيا عن المنكر، عاملاً بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فوجدهم نافرين منه مزْوَرِّين عنه قد ثقل عليهم الحق ومالوا إلى الباطل، واتبعوا الهوى فجهد رضي الله عنه في تقويمهم ورياضتهم، وحرص على إرشادهم وهدايتهم، فتصعبوا عليه ولم يجد فيهم إلى ما حاول مساغاً، ولا إلى تقويمهم وإصلاحهم سبيلاً، فلم ير فيما بينه وبين الله تعالى المقام بين أظهرهم، فانصرف عنهم على سبيل خفية، واتخذ الليل جملا، وانشمر إلى بلاده، وأغذ المسير وطوى المراحل والمنازل حتى عاد إلى وطنه من أرض الحجاز، فأقام بها مع جماعة أهله جاريا على عادته في طلب العلم والنظر في الحلال والحرام والسنن والأحكام والآثار والأخبار مجدا له مواظبا عليه.(1/515)
[توجه الوفد إلى الإمام الهادي (ع) مرة أخرى]
فندم أهل اليمن على ما فرط «منهم» من مخالفته، والعدول عن أمره، وتلاوموا بينهم، واتفقوا على أن يوجهوا إليه من كل قببيلة رجالاً معروفين من خيارهم وصلحائهم فيسألونه العودة إليهم، ويعلمونه ندمهم على ما فرط منهم، والتوبة والإنابة مما قد أقدموا عليه من ترك طاعته، وأنهم قد تعاقدوا وعاهدوا الله عزَّ وجل على أن يأتمروا بأمره ويسارعوا إلى نصرته ويبادروا إلى ما يدعوهم إليه ويبعثهم عليه ويندبهم له من مجاهدة الظالمين ومنابذة الفاسقين.
فقدم الوفد عليه وأدوا إليه ما تحملوا عمن ورءئهم من جماعتهم، وسألوا وتضرعوا وألحوا، فلم ير الهادي رضي الله عنه أن يتقاعد عنهم ويتأخر عمَا دعوه إليه وبعثوه عليه، فصرف الوفد عنه أحسن صرف، ووعدهم أن يخرج إليهم ولا يتأخر عنهم، وأقام بعد خروجهم من عنده أياما فأصلح من أمره وعهد إلى أهله، ثم خرج في جماعة من بني عمه وبني أبيه، وعدة من ثقاته وخدمه حتى وافى أرض اليمن.(1/516)
[دخوله صعدة وبيعته]
ونزل منها صعدة واجتمع إليه أهلها، ومن حولها من خولان وهمدان وبني الحارث بن كعب، وبني عبد المدان.
وكانت بينهم فتنة عظيمة، وعداوة قديمة يقتل بعضهم بعضاً، ويغير بعضهم على بعض، فدعاهم الهادي رضي الله عنه إلى الهدى، وذكَّرهم بأيام الله وزجرهم عمَا كانوا عليه، ونهاهم عن الفتنة والمعصية، ووعظهم بأبلغ المواعظ، وأحسن الخطاب، فسارعوا إلى قبول قوله، وبايعوه على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وإحياء معالم الدين، ومجاهدة الظالمين، ومباينة الفاسقين، واختلط بعضهم ببعض وصاروا - ببركته - بعد الفرقة والعداوة المفرطة إخوانا متحابين، وتداعت إليه قبائل اليمن فبايعه أكثرهم، وفاء إلى طاعته جمهورهم.(1/517)
[توبة أبي العتاهية]
وتاب أبو العتاهية على يديه، وفاء إلى طاعته، وهو ملك صنعاء والشام، وأكثر مخاليف [و]رساتيق اليمن، وسلم إليه ما كان في يده من الممالك والأموال والأثاث وتزهد ولم يزل يجاهد معه أعداءه ويحرض ويجد في نصرته وإعزاز دعوته، حتى استشهد بين يديه في بعض أيامه وحروبه رحمة الله عليه ومغفرته ورضوانه.
وأقام الهادي إلى الحق عليه السلام فيما ببينهم يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويجاهد بمن أطاعه من تولى عنه من الجبارين الظالمين ويقاتل القرامطة والمارقين.
وكان عليه السلام إماماً سابقاً فاضلاً فقيهاً عالماً بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم عاملاً بهما، غير عادل «عنهما» إلى غيرهما، ورعاً ديناً زاهداً ناصحاً جواداً سخياً كريماً مبرِّزاً في جميع الخصال المحمودة المقربة إلى الله جل جلاله.(1/518)
[مؤلفاته]
وله كتب ومصنفات في الدين والشرع، منها كتابه الجامع المسمى كتاب الأحكام في الحلال والحرام، والسنن والأحكام، قد ضمنه ما يحتاج إليه من أصول الدين وشرائع الإسلام مَا أعلم لأحد من أهل بيت رسول الله كتاباً في الفقه أجمع وأكثر فائدة منه، وغيره من الكتب في الشرائع والأديان.(1/519)