[جهاده للقرامطة]
وحدثني أنه حضر معه عليه السلام ثلاثا وسبعين وقعة مع القرامطة، وأن كبيرهم، ورئيسهم يومئذ رجل يعرف بعلي بن الفضل، وكان كذابا مُتَنَبِّياً.
وحكي أنه خرج مرة في عسكر جرار لا يقادر قدرهم وعددهم، وأن الهادي عليه السلام وافقهم في بعض الليل فمنحوه أكتافهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وغنم شيئاً كثيرا، وأنه سمع من عساكرهم التأذين بأشهد أن علي بن الفضل رسول الله.
ثم خرج هذا اللعين بجنوده، وحده وحديده نحو الكعبة ليهدمها، وأن طريقهم لم تكن على [طريق] يحيى بن الحسين فبلغ يحيى بن الحسين خبرهم، ومَا هموا به، فنادى في أصحابه فاجتمعوا، فقال: إن هؤلاء قد خرجوا لما هموا به من هذه الفادحة في الإسلام، ومَا أدري إلاّ أن الفرض في منابذتهم قد لزم، فتأهبوا للترصد لهم؛ فضعفوا وجبنوا لقلة عددهم إلى عدد القوم، فأبى عليهم، وخرج بهم، فلما قاربوا عسكر اللعين تراءوا له، فقال لأصحابه: من هؤلاء؟
فقالوا: العلوي صاحب اليمن وأصحابه.(1/510)


قال: ما يريدون؟
قالوا: جاء محارباً لك. فأزرى بهم.
فقال: هو ما سمعت، فنزل بقومه ونزل يحيى بن الحسين بأصحابه، وقد هالهم كثرة أعداء الله في قلة عددهم، وكان عدد هم على ما [63] حدثني أبو العباس الحسني قال: حدثنا أبو عبد الله اليماني رحمه الله: ألف رجل، فقال لهم الهادي يحيى بن الحسين عليه السلام: مما تفزعون، وأنتم ألفا مقاتل؟
قال: فقلنا: إنما نحن ألف.
قال: اتركوني على ألف.
قال: ثم قال الهادي عليه السلام «لأصحابه»: ما الرأي عندكم؟
قال: فقال أبو العشائر؛ وكان ممن يقاتل راجلاً: ما في الرجَّالة أشجع مني، ولا في الفرسان أشجع منك، فانتخب من الجميع ثلاثمائة رجل، فسلحهم بأسلحة الباقين حتى نبيتهم، فإنا لا نقدر عليهم، ولا نطيقهم إلاّ هكذا، فاستصوب الهادي ذلك منه، ففعلوا ليلاً ووقعوا فيهم ينادون بشعار يحيى بن الحسين حتى ركبوا أكتافهم، وهزموهم ?وَلَيَنصُرَنَّ الله مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ?[الحج:40].(1/511)


[بعض مواقفه في شبابه]
[64] حدثني أبوالعباس الحسني قال: حدثني أبو عبد الله اليماني رحمه الله قال: كان يحيى بن الحسين عليه السلام إذا قاتل قاتل على فرس له يقال له: أبو الحماحم، ولم يكن يطيقه من الدواب غيره، ولم يكن به من الْسُمْنِ والْغُلْظِ بل كان وسطاً من الرجال، ولكن كان رجلاً شديداً قوياً، وكان يعرف بالشديد.
وذكر أنه رآه شال برمحه رجلاً كان طعنه به عن فرسه ورفعه به فانثنى قصب الرمح وتكسر.
فأما إذهابه السكة بإصبعه من الدراهم الصحاح والدنانير المدثرة وثنيته العمود فمستفيض شائع، وقد سمعت غير واحد من أصحابه أنه قبض على أصابع رجل بيده السيف فهشم الأصابع على المقبض.
ومن المشتهر الذي يتحدث به: أنه كان له على رجل مال؛ ولعله كان قبل أن يلي الأمر؛ فماطله الرجل، فخرج عليه، فأهوى إلى عمود قبان معلق هناك فألوى به عنقه، فبقي طوقا فيه إلى أن سواه، وأخرج عنقه منه.(1/512)


وسمعت بعض العرب ممن اسمه مثبت عندي، وتوسمت فيه فضلا أن يحيى بن الحسين كان يدخل سوق المدينة وهو مراهق أوفي عنفوان بلوغه، وقد امتروا شيئاًمن موضع فيقول: ما طعامكم هذا؟ فيقال: الحنطة، فيدخل يده الوعا فيطحن منه بيده، ثم يخرج يده ويقول: إنما هو دقيق، يريهم شدته وقوته.
وسمعت محمد بن علي بن سليمان الرسي رحمه الله يحكي عن ابن محمد بن القاسم بن إبراهيم أن يحيى بن الحسين كان غلاما حزوراً بالمدينة، وأن طبيباً نصرانياً كان يختلف إلى أبيه الحسين بن القاسم على حمارله يعالجه في مرض كان به، فنزل عن الحمار يوماً، وتركه على الباب، ودخل، فصعد يحيى بن الحسين عليه السلام بالحمار السطح «فلما خرج الطبيب فقد الحمار، فقيل له: صعد يحيى به السطح»، فتحير الرجل، فقيل له: نسأله أن ينزله، فإن المثل السائر على أفواه الناس أنه إنما ينزل الحمار من صعد به، فسألوه «إنزاله» فأنزله، ودميت بنانه فبلغ ذلك أباه، فزبره، وخاف عليه العين.
وقيل: إنه كان أسديا، أنجل العينين، واسع الساعدين غليظهما، بعيد ما بين المنكبين والصدر، خفيف الساقين والعجز، كأنه الأسد، وذلك أقوى بشر في الناس.
وباشر الحروب والوقائع، والطعن والضرب، وتلقى أهوال الحروب بنفسه، ما يأتي بعضه بعد هذا.
وسمعت بعض أصحابه أنه كان يخرج في المفازة وحرَمه على البعير فانقلب البعير بحرمه، فغدا هو خلفه ليقف البعير، فلم يقدر حتى أخذ بذنب البعير فأوقفه، وأمر أهله بالنزول، فلما نزلوا انفصل الذنب مع النصف من البعير بعروقه.(1/513)


وسمعت أيضا أنه حين دخل آمل كان خفه عند الإسكاف فلاحه الإسكاف، وجفاه، فأخذ خفا من «خفافه» وقت خروجه، ورفع العارضة بيده من الإسطوانه، «وجعل بعض الخف تحت العارضة» وبعضه معلقا، ففقد الإسكاف الخف، وظن أنه سرق، وتعلق بإنسان.
قال يحيى: لا عليك خفك تحت العارضة، فنظروا فتعجبوا، فسألوه الإخراج له فرفع يده وأخرج الخف، فبلغ صاحب السلطان شجاعة أعرابي فتعلق به، وقال: إن لك لشأنا، ومَا أنت إلاّ رجل ممن يحذر السلطان جانبه، فسأله يحيى الإفراج عنه، فأبى وقال له: أرني من شجاعتك شيئاً.
فقال: هل يحضر في الحال شيء يمكن لي أن أريك؟
فقال: ليس معي إلاّ دنانير عُتَقٌ، فأخذ بعض الدنانير فقطعه ببنانه قطعا، فأفرج الرجل عنه.
وسمعت أنه كان يخرج في المفازة على نجيب فجاءه أعرابي ليسلب منه شيئاً، فدافعه فأبى، فأخذ بيده شيئاً، وقال: تعال وخذ هذه الدنانير، فقال: ألقها إليَّ، فقال: تعال وخذها، فذهب الرجل فأخذ بيده الأخرى وغدا مع الإبل، فأداره حتى قطعه قطعة قطعة.
[بعض أخباره من سيرته للعباسي]
قال أبو الحسن علي بن بلال جملة من أخبار الهادي إلى الحق المنتخبة من كتاب (السيرة) التي جمعها علي بن محمد بن عبيد الله العباسي، وكان عليه السلام يسكن الفَرْع من أرض الحجاز مع أبيه وأعمامه وبني عمه مقبلاً على العلم والدرس، مواظبا على النظر في الفقه، مثابراً على عبادة ربه.(1/514)

102 / 118
ع
En
A+
A-