قال: وحدثني أبو عبد الله الفارسي قال: ضاق بالإمام القاسم بن إبراهيم عليه السلام المسالك، واشتد به الطلب حتى نودي؛ ونحن مستخفون معه خلف حانوت أسكاف من خلَّص الزيدية؛ فبلغنا الصوت: ألا برئت الذِّمة ممن آوى القاسم بن إبراهيم عليه السلام وممن لايدل عليه، ومن دل عليه فله ألف دينار، ومن البز كذا وكذا، والإسكاف مطرق يعمل لايرفع رأسه، فلما جاءنا قلنا له: أما ارتعت؟ قال: ومن لي بارتياعي منهم، ولو قرضت بالمقاريض بعد إرضائي رسول الله عنى في وقاية ولده بنفسي.(1/505)


[(23) الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم]
(220 - 298 هـ / 835 - 911 م)(1/506)


[بعض أخباره قبل خروجه إلى اليمن]
[60] حدثنا أبو العباس الحسني رضي الله عنه قال: أخبرني علي بن أبي سليمان: أنهم حضروا يوما آمل [و]الناصر الحسن بن علي رضي الله عنه بالمصلى، فجرى ذكر يحيى بن الحسين، فقال بعض أهل الري وأكثر ظني أنه أبو عبد الله محمد بن عمرو الفقيه: كان والله فقيها.
قال فضحك الناصر وقال: كان ذلك من أئمة الهدى.
قال أبوالعباس الحسني: سمعت أبا محمد الركاني رحمه الله يذكر أنهم كانوا مع الناصر عليه السلام بالجيل قبل خروجه، فنُعِيَ إليه يحيى بن الحسين عليه السلام، فبكى بنحيب ونشيج، ثم قال: اليوم انهد ركن الإسلام.(1/507)


[قدومه طبرستان]
قلت له: ترى أنهما تلاقيا لما قدم طبرستان، قال: لا.
وكذلك حدثني جدي، قال: وقدم يحيى بن الحسين عليه السلام علينا آمل والناصر مع محمد بن زيد في عسكره بجرجان ومعه أبوه، وبعض عمومته والموالي، فنزلوا حجرة بخان العلا، وقد أشار إليها، ونحن نجتاز الخان.
قال: ولم أسمع بَلَغَ من تعظيم بشر لإنسان ما كان من تعظيم أبيه وعمومته له، ما كانوا يخاطبونه إلاّ بالإمام.
قال: وامتلأ الخان من الناس، وتكاثفت الغاشية حتى كاد السطح يسقط، وعلا صيتة، فكتب إليه الحسن بن هشام من سارية؛ وكان على وزارة محمد بن زيدان هذا مما يوحش ابن عمك.
فقال: ما جئنا ننازعكم أمركم، ولكنا ذكر لنا أن لنا بها أهلاً وشيعة، فقلنا: عسى الله أن يفيدهم منا.
فخرجوا مسرعين، وثيابهم عند القصار، وخفافهم عند الأسكاف، ومَا استرجعوها.
قال: وحملنا إليهم من منازلنا لحماً ودجاجا، وشيئاً مما يصطبغ به من ما حضرهم، أو غيره، فتناولوا إلا من اللحمان فإنها ردت إلينا كهيئتها، فسألنا بعض الموالي،
فقال: إنه يقول: بلغني أن الغالب على أهل هذه البلد التشبيه والجبر فلم آمن أن يكون من ذبيحتهم، وقد سمعت أن أهلنا بهذا البلد لا يتوقون ذبائحهم، وكان يشدد في الذبائح تأسيا بالقاسم عليه السلام.(1/508)


[سبب رجوعه من اليمن المرة الأولى]
[61] حدثني أبو العباس الحسني رحمه الله قال: أخبرني الشيخ أبو الحسين علي بن إسماعيل بن إدريس أنه سمع أباه رحمه الله يقول: قدمت المدينة وقد وردها يحيى بن الحسين من اليمن مغاضبا أهلها أنهم لا يطيعون الله، ولا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر، فتركهم واعتزل أمرهم.
قال: فوردت كتب أهل اليمن على أبيه الحسين بن القاسم، وعمومته بالمدينة يتوسلون بهم على يحيى بن الحسين عليه السلام ويرغبون إليهم في التشفع إليه، حتى يعاودهم، فإنهم يأتمرون له، ولا يخالفونه في شيء، فقد أخلفت ثمارهم وزروعهم وأسرع الموت منذ خرج في مواشيهم وأنعامهم، فأجابهم وعاودهم بعد تشفع كثير من أبيه وعمومته واستقصاء شديد.
[62] قال أبو العباس الحسني رحمه الله: وقد حدثني أبو عبد الله اليماني رحمه الله وكان فارس يحيى بن الحسين عليه السلام وأحد أبطال أصحابه- قال: كان سبب خروجه عنهم أن بعض القواد، أظنه قال: من أرحام أبي العتاهية - وأبو العتاهية هذا هو الذي دعا يحيى بن الحسين عليه السلام من المدينة وسلم أمر اليمن إليه، وكان واليها على أهلها - وقام بين يدي يحيى بن الحسين منخلعا متجرداً من كل شيء تقربا إلى الله عزَّ وجل وإنابة إليه - وكان يحيى بن الحسين بلغه عن هذا القائد وشهد عليه عنده أنه شرب مسكرا، فبعث إليه من يقدم به ليقيم حد الله عليه فامتنع، فركب هو عليه السلام بأصحابه إلى حيث كان الرجل فامتنع عليه فغضب وخرج، وقال: لا أكون كالمصباح يضيء لغيره ويحرق نفسه.
وكان هذا أبو عبد الله رحمه الله من خلَّص أصحابه وأهل الفضل والورع فيما علمته.(1/509)

101 / 118
ع
En
A+
A-