قال محمد بن منصور: فخفت أن يفوتنا وقت صلاة العصر، ولم يبرموا أمرا حتى أسَرَّ أحمد بن عيسى إلى القاسم إبراهيم وأخذ يده، وقال: قد با يعتك على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وأنت الرضا، فجعل القاسم صلوت الله عليه يقول: اللهم غفراً.. اللهم غفراً، ثم بايعه عبد الله بن موسى، والحسن بن يحيى ورضوا به، وقالوا لي: با يع، فقمت إليه وبايعت القاسم بن إبراهيم على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال لي القاسم: قم يا أبا عبد الله وأذِّن، وقل فيه: حي على خير العمل، فإنه هكذا نزل به جبريل عليه السلام على جدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فقمت، وأذنت وركعت وأقمت فتقدم القاسم بن إبراهيم عليه السلام فصلى بنا جماعة صلاة العصر، وباتوا عندي تلك الليلة، وصلى بنا المغرب والعشاء جماعة، فلما أصبحوا تفرقوا، ومضى القاسم بن إبراهيم إلى الحجاز، وأحمد بن عيسى إلى البصرة، وعبد الله بن موسى إلى الشام، ورجع الحسن بن يحيى إلى منزله، فكانوا على بيعة القاسم عليه السلام.
[56] حدثنا أبو العباس الحسني رضي الله عنه بإسناده عن إسماعيل بن محمد بن إبراهيم قال: لما استوفى عمي غلته بخمسين ديناراً فلقيه رجل يمدحه وأنشده قصيدة يقول فيها:
ولو أنه نادى المنادي بصوته .... ببطن منى فيما تعم المواسم
من السيد السباق في كل غاية .... لقال جميع الناس لاشك قاسم
إمام من أبناء الأئمة قدمت .... له الشرف المعروف والمجد هاشم
أبوه علي ذو الفضائل والنهى .... وأبناؤه والأمهات الفواطم
بنات رسول الله أكرم نسوة .... على الأرض والآباء شم خضارم
قال: فأمر له بالخمسين ديناراً.
[57] حدثني أبو العباس الحسني قال: قال عيسى بن محمد العلوي: قلت لمحمد بن منصور: يقولون: إنك لم تكثر من لقاء القاسم عليه السلام؟
قال: بلى صحبته فيما كنت أقع إليه خمساً وعشرين سنة.
قلنا: فإنك غير مكثر عنه.(1/500)


قال: وكأنكم تظنون أنا كلما أردنا كلمناه، من كان يجسر على ذلك منا، ولقد كان له في نفسه لشغل، كنت إذا لقيته لقيته كأنما ألبس حزناً.(1/501)


[بيعة أهل مصر وخروجه منها]
[58] حدثنا أبو العباس الحسني بإسناده عن محمد بن عبد العزيز بن الوليد قال: اجتمع إلى القاسم بن إبراهيم عليه السلام بعد قتل أخيه محمد بن إبراهيم عليه السلام الخارج بالكوفة مع أبي السرايا السري بن منصور الشيباني، وكان قبل خروجه معه صلوات الله عليه من أصحاب هرثمة بن أعين أهل مصر، فبايعه منهم عشرة آلاف أو يزيدون، وأقام القاسم «عندهم» -في خفية - عشر سنين يزيد شيئاً أو ينقص، ثم خرج منها خائفاً يترقب، حتى لم يمكنه الخروج، فلبث ببلد الحجاز وتهامة، وبايعه أهل مكة والمدينة والكوفة.(1/502)


[خروجه إلى اليمن]
فلما أزف خروجه أنفذ إبراهيم بن هارون بغا الكبير في عساكر كثيفة، فخرج القاسم عليه السلام إلى بلاد اليمن، واستخفى هناك، وبث دعاته في الأقطار، وكان أهل قزوين «والري» والجبال، وأهل طبرستان قد بايعوه، وبعث دعاته من بني عمه إلى أهل بلخ، وطالقان والجوزجان، ومروروذ، فبا يعوه وراسلوه ليبعث إليهم بولد له، فلم يأل جهده في الدعوة، فلما أبلى عذره وانتشر أمره، سيرت الجيوش في طلبه نحو اليمن، فاستام إلى حي من البدو واستخفى فيهم، ثم رام الخروج بالمدينة فأبى ذلك عليه أصحابه، وقالوا: العساكر تسرع إلى الحجاز والمدينة، وليس للناس ميرة ولا سلاح، وكاتبه أهل العدل من الأهواز والبصرة، وكانوا خواصه، ولم يكن في أمره أحد، ولا إلىبيعته وإظهار دعوته أسرع، ولا عليها أحرص من المعتزلة، وقد كان ورد أرض مصر على مواعيد أصحابه غير مرة.(1/503)


[علمه وزهده وبعض فضائله]
فلم يزل كذلك عمره أجمع، صابراً في الله، داعياً إلى إحياء دين الله مجتهداً، مكدوداً متغيباً من الظلمة، وهم يطلبونه ولا يفترون عنه، أعلم رجل كان في زمانه، وأفقههم، وأزهدهم، وأحلمهم.
ومن أصحابه الفضلاء، ومن لاينوط الكوفيون به أحدا الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي عم يحيى بن عمر الخارج بالكوفة، وله من الروايات، والتصانيف والنقلة عنه ما يكثر عن الإحصاء.
[59] حدثنا أبوالعباس الحسني قال: حدثنا محمد بن بلال عن محمد بن عبد العزيز بن الوليد قال: سألت الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي عليهم السلام عن أبي محمد القاسم بن إبراهيم عليه السلام، فقال: سيدنا وكبيرنا، والمنظورإليه من أهلنا، ومَا في زماننا هذا أعلم منه، ولقد سمعته يقول: قد قرأت القرآن والتوراة والإنجيل والزبور، وما علمي بتأويلها دون علمي بتنزيلها، ثم قال: لو سألت أهل الأرض من علماء أهل البيت؟ لقالوا فيه: مثل قولي، قيل له: فأحمد بن عيسى بن زيد؟ فقال: أحمد بن عيسى من أفضلنا، والقاسم إمام.
[60] حدثني أبو العباس الحسني قال: حدثني جدي الحسن بن علي بن إبراهيم قال: حدثني أبو عبد الله الفارسي، قال: دخلنا مع القاسم بن إبراهيم عليه السلام حين اشتد به الطلب - أظنه قال: أوائل بلد مصر - فانتهى بنا إلى ناحية فيها خان، واكترى خمس حجر ملتزقات، فقلت له: جعلت فداك يابن رسول الله نحن في عَوَزٍ من النفقة، وتجزينا بعض جحرة، ففرغ حجرتين عن يمينه، وأخروين عن يساره، ونزلنا معه في الوسطى منهن، فقال: هو أوقى لنا من مجاورة فاجر، وسماع منكر.(1/504)

100 / 118
ع
En
A+
A-