باب الخروج إلى منى يوم الترويه
فإذا أردت أن تخرج إلى منى يوم التروية، فاصنع كما صنعت يوم أحرمت بالعقيق، ثم اغتسل والبس ثوبيك، ثمَّ صلّ في المسجد الحرام، وقل في دبر صلاتك مثل الذي قلت في دبر صلاتك بالعقيق، ثم لبّ حين ينهض بك بعيرك ويستوي بك قائماً، وإن كنت ماشياً فلَبِّ من عند الحجر الأسود كما لبيت من العقيق، وتقول: لبَّيكَ بحجة تمامها عليك، وليكن رواحك يوم التروية حين تصلي الظهر، فإنه أمثل. وإن مكثت إلى صلاة العصر فلا يضرك.
فإذا أتيت منى: مكثت بها حتى تصلي الفجر (أي فجر عرفة)، ثم اغدُ إلى عرفات، فإذا زالت الشمس يوم عرفة، فاغتسل واقطع التلبية، وعليك بالتهليل، والتكبير، والتسبيح، والثناء على الله، والصلاة على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، واستغفر لذنبك، وتخيَّر لنفسك من الدعاء، ثم صلّ الظهر، ثم امكث ساعة إلى أن يتحمل الناس، ثم صلّ العصر، وإن شئت جمعتهما جميعاً، ثم ائت الموقف فاستقبل البيت، فكبر الله وهلِّله واحمده، وصلّ على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، وتخيرَّ لنفسك من الدعاء، فإنه يوم مسألة ودعاء، ولا تترك حاجة أردتها عاجلة أوآجلة إلادعوت بها، وليكن من قولك وأنت واقف: (ربّ المشعر الحرام، افعل بي وافعل بي. اللهمّ،(1/360)
فأنقذني من النار، وأوسع عليَّ من الرزق الحلال، وادرأ عني فسقة الجن والإنس). وقف في ميسرة الجبل مستقبل البيت، وقف ساعة في المكان، ثم تقدّم شيئاً أمام ذلك.
قال أبو جعفر: حدّثنا سفيان بن وكيع، حدّثنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن أبان، عن صالح، عن عكرمة، قال: أفضْتُ من عرفات مع الحسين بن علي -عليهما السلام- فلم يزل يُلَبِّي حتى رمى جمرة العقبة، فلما قذفها أمسك. فقلت: ماهذا؟
فقال: أفَضْتُ مع علي بن أبي طالب -عليه السلام-، فلم يَزَلْ يُلبِّي حتى رمى جمرة العقبة، وأخبرني أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: كذاك كان يفعل.
وَبِهِ قال: وحدّثنا محمد، قال حدّثنا عبد الله بن موسى، قال حدّثني أبي، عن أبيه، قال:(لم يزل رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يُلبِّي حتى رمى جمرة العقبة، فقطع التلبية مع أول حصاة وكبر).
وَبِهِ قال: وحدّثنا محمد، حدّثنا علي بن منذر، عن محمد بن فضيل، حدّثنا محمد بن عبيد الله، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: (أفاض رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- من عرفات، فحمل أسامة بن زيد خلفه حتى انتهى إلى جمع، فأنزله. فقال أسامة: مازلت أسمع رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يُلَبِّي حتى نزلت، ثم أردف الفضل خلفه حتى انتهى إلى جمرة العقبة، فأنزله. فقال الفضل: مازلت أسمع رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يُلَبِّي حتى رمىجمرة العقبة).(1/361)
وَبِهِ قال: حدّثنا محمد، حدّثنا علي بن منذر، عن ابن فضيل، قال: حدّثنا عبدالملك بن أبي سليمان،عن عطاء، عن ابن عباس، قال: أفاض رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- من عرفات، فجالت به الناقة وهو رافع يديه لاتجاوزان رأسه، وردفه أسامة بن زيد، فقال أسامة: ما زال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يسير على هيئته حتى أتى جمعاً، فأفاض من جمع وردفه الفضل بن العباس.فقال الفضل: مازلت أسمع رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يُلَبِّي حتى رمى جمرة العقبة.(رجع إلى حديث عباد) ثم قف ثم تقدّم ثم قف، فاصنع ذلك حتى تجب الشمس، فإذا وجبت فأفض على بركة الله.(1/362)
باب الإفاضة
وتودّع في السير، واترك الوجيف الذي يصنعه كثير من الناس بالحبال، والحبال أودية، ويقال: هي الجواد، فإن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: كان يكف رأس ناقته حتى يبلغ رأسها الرحل، ويقول للناس: ((عليكم بالدعة بسنته، السنة تتبع)).
وإن قدرت أن تنزل حتى تأتي أول الحبال عند الشجرات في ميسرة الطريق فتمكث ساعة حتى يَخِفّ عنك كثيرمن الناس فافعل، ولاتصلّ المغرب حتى تأتي جمعاً، فإذا أتيتها فصلّ المغرب والعشاء بإذان واحد وإقامتين، وانزل بجمع بطن الوادي عن يمين الطريق، قريباً من المشعر، ولا تجاوز الجبل ليلة المزدلفة، فإني أكره لك ذلك، والمزدلفة جمع، واصبح على طهر، بعدما تصلي الفجر.
باب الوقوف بمزدلفة
وقف حتى تطلع الشمس، ويشرق لك الجبل، والجبل هو ثَبير.
قال أبو جعفر: ليس الناس على هذا. والناس على الإفاضة قبل طلوع الشمس؛ لأن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: (أفاض قبل طلوع الشمس وبه نأخذ).(1/363)
باب الإفاضة من المزدلفة
ثم أفِضْ حتى تأتي منزلك بمنى، ثم ائت الجمرة العظمى، فارمها بسبع حصيات وكبر مع كل حصاة تكبيرة، تقول: (الله أكبر، الله أكبر، اللهم ادحَر عنِّي الشيطان، اللهم تصديقاً بكتابك وسنة رسولك محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-، اللهم اجعله حجاً مبروراً، وعملاً مقبولاً، وذنباً مغفوراً، وسعياً مشكوراً)، وإن شئت قلت ذلك مع كل حصاة، وإن شئت قلته حين تفرغ من رميك في آخر حصاة حين تريد الانصراف، إلا التكبير تكبِّر مع كل حصاة حين ترمي بها، لا بدّ من ذلك.(1/364)