باب ماذكر في الكحل والطيب للمحرم عند الإحرام
وَبِهِ قال مُحمَّد: سألت عبد الله بن موسى عن المحرم يكتحل؟ فكرهه وقال: كل شيء ينقصُه. (يعني فَلْيَتَوَقَّه).
وَبِهِ قال مُحمَّد: سألت قاسم بن إبراهيم عن الكحل للمحرم؟
فقال: لا بأس به إذا لم يكن فيه طيب.
وَبهِ قال: وحدّثنا محمد، حدّثنا عبد الله بن منصور، عن قاسم بن إبراهيم، في الطيب عند الإحرام: روي عن عائشة-رضي الله عنها-، أنها طيبت النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- عند إحرامه، حتى رأت وبيص الطيب في مفرقه بعد ثلاث.
وبه قال أبوجعفر: لابأس لمن أراد الإحرام أن يَدَّهِن بدُهن فيه طيب، أو يتطيّب قبل أن يغتسل لإحرامه.
باب منسك الحج
وبهِ قال: وحدّثنا محمد، حدّثنا عباد بن يعقوب، حدّثنا يحيى بن سالم الفرّا، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر قال: إذا أردت مكة إن شاء الله فعليك بتقوى الله، وذِكرَ الله، وقلَّة الكلام إلا بخير، فإنه من تمام الحج والعمرة أن يحفظ الرجل نفسه نحوا مما قال الله: ?فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ?[البقرة:197]، والرفث هو الجماع، والفسوق هو الفاحشة.. قول الرجل: لاوالله، وبلى والله، والجدال في الحج: هو الفاحشة، وعليك بورَعٍ يحجرك عن معاصي الله، وحلم تملك به غضبك، ولاقوة إلا بالله.(1/355)
باب الإحرام
فإذا أتيت العقيق، فانتِف من إبطَيك، وقلّم أظفارك، وأطْلِ عانتك، ولايضرك بأي ذلك بدأت، فإذا أردت أن تحرم، فاغتسل والبَس ثوبَيك، ولا يضرك ليلاً أحرمت أو نهاراً، ولا تحرم إلا في دُبرِصلاة فريضة كانت أو نافلة غير أن أحب ذلك إليَّ أن تحرم في دبرِ صلاة الظهر، واغتسل، والبس ثوبي إحرامك، ثم ائت المسجد فصلّ فيه، ثم قل في دبر صلاتك: اللهمّ، إني أريد التمتع بالعمرة إلى الحج، فيَسِّره لي، وأعنِّي عليه، وتقبله مني، اللهمّ فإن حبستني فأنا حلُّ حيث حبستني بقدَرِكَ الذي قدَّرتَ عليَّ، فإذا كنت ماشياً، أو استوى بك بعيرك على البيداء قلت: (لبَّيكَ اللهمّ لبيك، لبَّيكَ لاشريك لك، لبَّيكَ إن الحمد والنعمة لك والملك، لاشريك لك). فإذا أحرمت فاتق قتل الدواب كُلَّها إلا العقارب، والحيات، والفأرة، وارم الغراب رمياً، واقتل الكلب العقور والسَّبع، إذا أراداك، وإن لم يريداك، فلا تُرِدْهُما، ولا تقتل حية في منزل الناس إلاحيةً تريدك، فإذا أرادتَك فاقتلها، واقتل الأفعى في منزل الناس، والأسود علىكل حال، ولا تَمَسَّ شيئاً من الدهن بعد أن تغتسل لإحرامك، ولا تُجَمِّرنّ ثوباً لإحرامك، ولا تمس طيباً ولا ثوباً مسّه طيب لتحرم فيه. فإذا اغتسلت لإحرامك، فلبست ثوباً لايصلح لك لباسه، أو أكلت طعاما لا يصلح لك أكله، فأعد(1/356)
غسلك، وأمسك على أنفك من الريح الطيبة، ولا تمسك عليه من الريح المنتنة، ولا تأكل طعاماً فيه الزعفران، ولا تأكل من الصيد رطباً ولا يابساً، وإن كان صِيدَ في الحل، وألق عنك الدواب كلها إلا القملة، فإنها من جسدك، فإن أردت أن تحول القملة من مكان إلى مكان آخر منك فلا بأس، وإن ألقيتَ في حك رأسك قملة، فلا تُعدها، وإن أردت أن تطرح قرّادا عن بعيرك فلا بأس. ولا تلبس ثوبا له أزرار تُزِرره عليك، ولا تطرحه في رأسك، ولا تلبس قباءً إلا أن تنسى، ولا سرا ويل إلا أن لا يكون لك إزار فتلبس سراويلاً، ولا تلبس خفين إلا أن لا يكون لك نعلان فتلبس خفين، وإن نسيت فلبست قميصاً فلا تنزعه من قبَل رأسك، ولكن شقه و انزعه من قبل رجليك، ولاتقنّع رأسك وأنت محرم حتى تَحِل إن شاء الله، واغتسل حين تدخل الحرم.(1/357)
باب دخول المسجد
فإذا دخلت المسجد الحرام إن شاء الله تعالى، فاستقبل الركن الذي فيه الحجر الأسود فادع الله عز وجل، واثن عليه بما هو أهله، وصلّ على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، وأهل بيته وقل: (تصديقاً بكتابك، وسنة نبيك محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-. فإن استطعت أن تقبّل الحجر الأسود فقبِّله، وإلا فاستَلِمه بيدك اليمنى، ثم قبلها، فإن لم تستطع أن تستلمه وزوحمت عليه فافتتح به واختم، فإن استلمته في كل طواف فهو أفضل، واستلم الركن اليماني والحجر الأسود. افعل ذلك سبع مرات إن قدرت عليه، وإلا فافتَتح بالحجر الأسود واختم به، فإنه لا بُدَّ لك من ذلك، واستقبله، فإذا فرغت من طوافك، فأتِ مقام إبراهيم فصلّ عنده ركعتين واتخذه إماما، واقرأ فيهما: ?قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ? و?قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ?، ثم ائت الحجر الأسود فقبِّله واستلمه، وليكن آخر عهدك استلامه، فإنه لا بدّ من ذلك.(1/358)
باب الصفا والمروة
ثم اخرج إلى الصفا فاصعد إليه، واستقبل الركن الذي فيه الحجر الأسود، فادع الله، واثن عليه، وصلّ على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، وتخيَّر لنفسك من الدعاء، واستغفر لذنبك، وانحدر من الصفا، فإذا بلغت الوادي، حيث تأخذ في الهبوط، فاسْعَ فيه حتى تجاوزه، وقل وأنت تسعى: (اللهمّ اغفر وارحم، وتجاوز عما تعلم، إنك أنت الله الأعزَّ الأكرم). ثم ائت المروة، واصعد عليها، واستقبل البيت، وادع الله واثْنِ عليه وصلّ على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، وقل مثلما قلت على الصفا، ثم انحدر منها إلى الصفا، فإذا مررت بالوادي حين تأخذ بالهبوط فاسع فيه حتى تجاوزه، وقل كما قلت في أول مرة. طف سبعة أشواط تفتتح بالصفا، وتختتم بالمروة، ثم ارجع إلىرحلك، فقصّر من شعر رأسك، تأخذ من مقدمه ومن مؤخره، وجانبيه، ووسطه، وخذ من شاربك، وقلّم أظفارك، ولا تستأصلها، وأبق منها لحَجَّتِك إن شاء الله. فإذا فعلت ذلك إن شاء الله، فقد أحللت من كل شيء يحل منه المحرم. فطف ماشئت تطوعاً، وأنت حلال، ما بينك وبين يوم التروية إن شاء الله تعالى، ولا تَستَحِلَّن شيئاً من الصيد، وأنت محرم، ولا تَدُلّ عليه فيصطادوه، ولا تُشر إليه، فيستحل من أجله، فإن فيه فداء لمن تعمده.
وفداء النعامة: بدنة من الإبل، وفداء حمار الوحشي: بقرة من البقر، وفداء الطير: شاة. وما سوى ذلك فهو قيمته، يحكم بها ذوا عدل.(1/359)