باب وصية علي بن أبي طالب -رحمه الله- في صدقته
وبه قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا إسحاق بن موسى، عن مصعب بن سلام، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- خرج في جيش ذات العشيرة، وهي مما يلي ينبع: قال فاشتد عليهم حرّ النهار، فانتهوا إلى سمرة ليس عليها شوك، فعلقوا أسلحتهم عليها، قال: وفتح الله عليهم، قال: فقسم رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- لعلي -عليه السلام- موضع السمرة في نصيبه، قال: واشترى إليها بعد ذلك، وأمر مملوكيه أن يفجروابها عيناً، قال:فتخرج لهم مثل عنق الجزور.
قال: فجاء البشير إلى علي -عليه السلام- يُخبره بالذي كان.
فقال علي: بشر الوارث، بشر الوارث مرتين، ثم جعلها علي صدقة، وهو عين بولان.
قال: فجعلها علي صدقة، يوم تبيضُّ وجوه، وتسودُّ وجوه، ليصرف الله النار عن وجهي، ويصرف بها وجهي عن النار، صدقة بتاً بتلاً في سبيل الله، وسبّله للقريب، والبعيد والسلم، والحرب، والجنود، وللفقراء، والمساكين، وفي الرقاب.
وبه قال: حدثنا محمد، قال: حدّثني إبراهيم بن إسحاق، قال: حدثنا بشر بن الوليد الكندي، عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، قال: حدّثني عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب -عليه السلام- أنه أوصى ابنه الحسن بهذه الوصية أملى عليَّ عيسى بن زيد(1/310)


هذه الوصية، وقال: هذه وصية علي بن أبي طالب: هذا ما أوصى به، وقضى في ماله عبد الله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ابتغاء وجه الله؛ ليولجني الله به الجنة، ويصرفني عن النار، ويصرف النار عن وجهي يوم تبيضَّ وجوه وتسودَّ وجوه، ما كان لي بيَنْبُع من مال يعرف لي منها وما حوتها صدقة، ورقيق، غير أن رباحاً وأبا نيزر وجبيراً عُتَقَاء، ليس لأحد عليهم سبيل، وهم موالي يعملون في المال خمس حجج، وفي رواية أبي يوسف سبع حجج، و فيه نفقتهم ورزقهم ورزق أهاليهم، ومع ذلك ما كان لي بوادي القرى ثلثه مال بني فاطمة ورقيقها، وما كان لي بِرَعَّة وأهلها صدقة.
قال أبوجعفر: ورعَّة (وهي مشدودة العين) هي على ليلة من (فدك) ضيعة كانت لأمير المؤمنين، غير أن زريقاً له مثلما كتبت لأصحابه.(1/311)


وما كان لي بْأُذَيْنَة وأهلها صدقة، والفقيرين كما قد علمتم في سبيل الله، وأن الذي كتبت من أموالي هذه صدقة واجبة بتله حياً أنا أو ميتاً، تنفق في كل نفقة يبتغى بها وجه الله في سبيل الله ووجهه، ولذي رحم من بني هاشم وبني المطلب والقريب والبعيد، وأنه يقوم على ذلك الحسن بن علي، يأكل منه بالمعروف، وينفقه حيث يريه الله في حل محلل، لا حرج عليه فيه، وإن أراد أن يبدل مالاً من الصدقة مكان مال فإنه يفعل إذا شاء، لا حرج عليه فيه، وإن أراد أن يبيع نصيباً من المال فيقضي به الدين فليفعل إذا شاء، لا حرج عليه فيه، وإن شاء جعله بدير الملك، وإن وُلْدَ علي ومالهم إلى الحسن بن علي، وإن كانت دار الحسن بن علي غير دار الصدقة فبدا له أن يبيعها يبيع إن شاء، لا حرج عليه فيه.
فإن باعها فثمنها ثلاثة أثلاث: فيجعل ثلثاً في سبيل الله، وثلثاً في بني هاشم وبني المطلب، ويجعل ثلثاً في آل أبي طالب، وأنه يضعه فيهم حيث يريه الله، وإن حدث بحسن حدث وحسين حي، فإنه إلى حسين بن علي، وأن حسين بن علي يفعل فيه مثل الذي أمرت به حسناً، له منها مثل الذي كتبته لحسن، وعليه مثل الذي على حسن.(1/312)


وأن الذي لبني فاطمة من صدقة علي مثل الذي لبني علي، وإني إنما جعلت الذي جعلت إلى بني فاطمة ابتغاء وجه الله، ثم تكريم حرمة محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-، وتعظيمهما، وتشريفهما، ورضائهما.
وان حدث بحسن وحسين حدث، فإن الآخر منهما ينظر في بني علي، فإن وجد منهم من يرضى دينه وإسلامه وأمانته، فإنه يجعل إليهم إن شاء، وإن لم ير فيه بعض الذي يريد، فإنه يجعله في رجل من آل أبي طالب يرتضيه. فإن وجد آل أبي طالب يومئذٍ قد ذهبت كبراؤهم ذوو رأيهم وذوو أسنانهم، فإنه يجعله إلى رجل يرضاه من بني هاشم، وأنه يشترط على الذي يجعله إليه أنه يترك المال على أصوله، ينفق ثمره حيث أمرته في سبيل الله ووجوهه وذوي الرحم من بني هاشم وبني المطلب، والقريب والبعيد، لا يباع منه شيء وفي حديث أبي يوسف: لا يباع من فسيله شيء، ولا يوهب، ولا يورث، وأن مال محمد-صلى الله عليه وآله وسلم- على ناحيته وهو إلى بني فاطمة، ومال فاطمة إلى بني فاطمة، وأن رقيقي الذي في صحيفة صغيرة التي كتبت لي عُتَقَاء، فهذا ما قضى علي بن أبي طالب في أمواله هذه الغد منذ يوم قدم مسكن، ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، والله المستعان على كل حال.(1/313)


أما بعد: فإن ولائدي اللاتي أطوف عليهم التسع عشرة فهنَّ أمهات أولاد أحياء معهنَّ أولادهنَّ، ومنهنَّ حبالى، ومنهنَّ من لا ولد لها، فقضائي فيهنَّ إن حدث بي حدث أن من كان منهنَّ لها ولد، أو كانت حبلى فتمسك على ولدها وهي من حظه، وإن مات ولدها وهي حية فهي عتيقة ليس لأحد عليها سبيل، فهذا ما قضى عليٌ في ماله الغد، من يوم قَدِمَ مسكن.
شهد أبوشمر بن أبرهة، وصعصعة بن صوحان، ويزيد بن قيس،و هياج بن أبي هياج.
وكتب علي بن أبي طالب -عليه السلام- بيده، لعشر خلون من جمادى الأولى، سنة تسع وثلاثين.
وبه قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا سفيان بن وكيع، عن ابن فضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-:((من سأل الناس أموالهم تَكَثّراً، فإنما يسأل جمراً، فَلْيَسْتَقِلْ عبدٌ أو يَسْتَكْثِرْ)).(1/314)

63 / 184
ع
En
A+
A-