وكان يترك صحبة من لا عقل له ولا دين.
كان إذا غُلِب على الكلام لم يُغلب على الصمت.
كان ضعيفاً مستضعفاً وإذا جاء الجد فهو الليث غادياً.
كان لا يشرك في مِراء، ولا يدخل في عِداء.
ولا يُدلي بحجّة حتى يأتي قاضياً.
وكان لا يلزم أحداً فيما يجد العذر في مثله لغيره حتى يرى اعتذاره.
وكان لا يشكو الوجع إلاّ عند من يرجو عنده البرء، وكان لا يتَشَكّى ولا يتَشَهّى، ولا يتسَخّط، وكان لا يغفل عن إخوانه، ولا يخص نفسه بشيء دونهم.
حدثنا محمد، حدثنا إسماعيل بن سكين، حدثنا محمد بن يحيى الأودي، حدثنا داود بن المحبر، حدثنا سليمان بن الحكم الكلبي، عن العلاء بن كثيرالسهمي، عن العلاء بن كثير الليثي، عن مكحول، أن فتى سأل أبا الدرداء عن صيام رجب؟
فقال: سألت عن شهر كانت الجاهلية تفضله على جاهِلِيّتها وتعظمه، ومَا زاده الإسلام إلاّ فضلاً وتعظيماً.
من صام يوماً واحداً منه تطوعاً يحتسب به في ثواب الله ويبتغي به وجه الله مخلصاً به لله، أطفأ صومه ذلك اليوم غضب الله، وأغلق عنه باباً من أبواب النار، ولو أعطي ملء الأرض ذهباً مَا كان ذلك جزاء له بشيء من ثواب الدنيا يوم الحساب، وله إذا أمسى عشر دعوات مستجابات، فإن دعا بشيء من عاجل(2/453)
الدنيا أعطيه، وإلا ذُخِر له من الخير كأفضل مَا دعا داعٍ من أولياء الله وأحبائه وأصفيائه.
ومن صام يومين كان له مثل ذلك، وله مع ذلك كأجر عشرة من الصديقين في عمرهم بالغةً أعمارهم مَا بلغت، ويشفع في مثل مَا يشفعون فيه، ويكون معهم في زمرتهم، ويدخل الجنة معهم من رفقائهم.
ومن صام ثلاثة أيام كان له مثل ذلك، وقال الله عن إفطاره: لقد وجب حق عبدي هذا عليّ، ووجبت له جنتي وولايتي، أشهدكم يا ملائكتي أني قد غفرت له مَا تقدم من ذنبه ومَا تأخر.
ومن صام أربعة أيام، كان له مثل ذلك، ومثل ثواب أولي الألباب التوابين الأوابين، ويعطى كتابه في أوائل العابرين.
ومن صام خمسة أيام، كان له مثل ذلك، ويبعث يوم القيامة ووجهه مثل القمر ليلة البدر، ويكتب له عدد رمل عالج حسنات ويدخل الجنة، ويقال له: تَمَنّ على الله مَا شئت.
ومن صام ستة أيام كان له مثل ذلك ويعطى سوى ذلك، يستضيء أهل الجمع يوم القيامة، ويبعث في الآمنين حتى يمر على الصراط بغير حساب، ويعافى من عقوق الوالدين وقطيعة الرحم، ويقبل الله عليه بوجهه إذا لقيه يوم القيامة.
ومن صام سبعة أيام، كان له مثل ذلك، وأغلق عنه سبعة أبواب النار، و أوجب له الجنة يتبوأ منها حيث يشاء.
ومن صام ثمانية أيام، كان له مثل ذلك، وفتح له ثمانية أبواب الجنة فيدخل من أيها شاء.(2/454)
ومن صام تسعة أيام، كان له مثل ذلك، ورفع كتابه في عليين، ويُبعث يوم القيامة من الآمنين، ويخرج من قبره ووجهه نور يتلألأ، لا يشرق لأهل الجمع حتى يقولوا: هذا نبي مصطفى، وإن أدنى مَا يُعطى، يدخل الجنة بغير حساب.
ومن صام عشرة أيام، منح له مثل ذلك وعشرة أضعافه، وهو ممن تبدل سيئاته حسنات، ويكون من المقربين القوامين لله بالقسط، وكأنما عبد الله ألف عام، صائماً قائماً صابراً محتسباً.
ومن صام عشرين يوماً، كان له مثل ذلك وعشرين ضعفاً، ويكون مع إبراهيم خليل الله في درجته، ويشفع في خلق كثير كلهم من أهل الخطايا والذنوب.
ومن صام ثلاثين يوماً، كان له مثل ذلك وثلاثين ضعفاً، وناداه مناد من السماء: أبشر ياولي الله بكرامة الله العظمىفي مرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. طوبى لك.. طوبى لك غداً إذا انكشف عنك الغطاء فأفضيت إلى جسيم ثواب ربك الكريم، فإذا نزل به الموت سقاه الله عند خروج نفسه شربة من حِياض الفردوس فيُهَوّن الله عليه سكرة الموت حتى مَا يجد للموت ألماً، فيظل في قبره ريّاناً حتى يَرِد حوض النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، و إذا خرج من قبره تلقاه سبعون ألف ملك معهم النَّجائِب من الدر والياقوت، ومعهم طرائف الحلي والحلل يقولون: ياولي الله، النجاة إلى ربك، والذي ظمئت له(2/455)
نهارك، وأنحلت له جسمك، فهو أول الناس دخولاً جنات يوم القيامة مع الفائزين الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، ذلك الفوز العظيم.
قال: فإن كانت له في كل يوم صدقة يتصدق بها على قدر قوته، فهيهات.. هيهات لو أجر الخلائق على أن يُقدِّروا قَدْر مَا أُعطي ذلك العبد من الثواب مَا بلغوا معشار العشر مما أعطي ذلك العبد من الثواب.
قال: قيل له هذا شهر رجب فكيف شعبان؟
قال: رجب شهرك، وشعبان شهر نبيك -صلى الله عليه وآله وسلم-، فضل شعبان على رجب كفضل نبيك عليك، ورمضان شهر ربكم.(2/456)
حدثنا محم، حدثنا حسين بن نصر بن مزاحم، عن أبيه، عن أبي خالد، عن زيد، عن آبائه، عن علي -عليه السلام- قال: قال -صلى الله عليه وآله وسلم- يوما الفجر يغلس، ثم أقبل علينا بوجهه، قال: ((هل منكم أحد رأى هذه الليلة شيئاً))؟
قال: قال القوم: لا، قال: ((ولكني رأيت ملكين أتياني وأخذا بضَبْعِي فانطلقا بي حتى إذا أنا بملك من الملائكة وأمامه آدمي، بيد الملك صخرة يضرب بها.
فانطلقنا حتى أتينا على رجل مُضطجعٍ على قفاه، ورجلٌ قائم على رأسه بصْخَرة يشْدَخ بها رأسه، فإذا ضربه تدمده الحجر، وانطلق إليه ليأخذه، فيرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه، وعاد رأسه كما كان، فعاد إليه فضربه.
فقلت: مَا هذا؟ قالا: انطلق.
فانطلقنا حتى أتينا إلى ثقب مثل التّنور، أعلاه ضيق وأسفله واسع، تتوقد تحته نار، فإذا اقترب ارتفعوا حتى يكادوا يخرجون منها، فإذا خمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة.
فقلت: مَا هذا؟ قالا: انطلق.
فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم، وعلى شط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج، رمى الرجل بحجر في فِيه فرده حيث كان، فجعل كلما جاء يخرج رمى في فِيه حجراً فيرجع كما كان.
فقلت: مَا هذا؟ قالا: انطلق.
فانطلقنا حتى أتينا إلى روضة خضراء فيها شجرة عظيمة، وفي أصلها شيخ(2/457)