والإسلام وهو جملة، ومن الدليل عليه قوله تعالى ذكره: ?قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ?[الحجرات:253] وذلك لما أظهروا من التصديق، ولم يكن عنه اعتقاد يقين وإخلاص، فكان ذلك غير مقبول عند الله، والإسلام مَا أقاموا به من شرائع الدين.
فقال أمير المؤمنين -عليه السلام-: بما سماهم الله، يقول الله تبارك وتعالى:?تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ...? إلى قوله: ?وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد?[البقرة:253].
فنحن الذي آمنوا، وهم الذين كفروا.
قال محمد: وسئل أبو عبد الله: أكان أمير المؤمنين في براءة من أهل حزبه أو ولاية، وسئل عمَا يُرْوَى عن أمير المؤمنين -عليه السلام- أنه كان يأخذ مَا وجد في عسكره في حزبه إذا انقضت ردة عليهم أو على ذراريهم؟
فقال: مكذوب عليه.(2/388)


باب مسائل لأبي عبد الله في التفسير وغيره
قال محمد: سألت أبا عبد الله عن قول الله تعالى: ?أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ?[الإسراء:78] قال: زوالها.
قلت: إنه يروى عن ابن مسعود أنه قال: دلوكها: غروبها، وقال: دلكت براحي، فقال لي أبو عبد الله: تدري مَا معنى دلكت براحي؟
قلت: مَا هو؟
قال: كان راعٍ يطلب إبله أو قال غنمه، فلما زالت الشمس ستر بصره براحته، ووضع أبو عبد الله راحته فوق حاجبه ورفع رأسه، وقال: قال الراعي: ثبتت قدما رباح طلعت حتى دلكت براحي.
قال: طلعت حتى دلكت براحي، يقول: حتى زالت.
قال أبو عبد الله: ولكن العرب قد تخفف، ربما سقط الشيء كان يطلب غنمه أو إبله مذ طلعت الشمس حتى زالت.
قال محمد: سألت أبا عبد الله عن قوله: ?وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ?[القيامة:22-23] فقال: ناضرة: ناعمة، إلى ربها ناظرة: تنتظر الثواب.
قال محمد: سألت أبا عبد الله مَا يقول في قوله تعالى: ?لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا?[الأعراف:179].
قال: هذا على العيب لهم، وكانوا لا يستطيعون سمعاً، إنما هذا على الكراهية إذا سمعوا الحق وذكر الله فرغوا من ذلك.(2/389)


قال محمد: سمعت أبا عبد الله يقول في قول الله تبارك وتعالى:
{هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ}[المائدة:112].
قال: قد علموا أنه يستطيع، وإنما أرادوا: هل يفعل ذلك؟
قال أبو عبد الله: ومن قال: هل يستطيع ربك، قال: هل تستطيع أن تسأل ربك؟ ووجه آخر ذكره أبو عبد الله.
قال محمد: قلت لأبي عبد الله: كيف تقرأ أنت ?هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّك?، بالياء، أو (هل تستطيع) بالتاء؟
وأما مَا أقرأ فلست أعدل بقراءة علي -رحمة الله تعالى عليه-: (هل تستطيع ربك)، بالتاء.
قال محمد: قلت لأبي عبد الله: إن جعفر بن محمد كان يكره أن يقرأ بنسر، وولده، وحرم، وبالنخل. وكان يقرأ: بنصر، وحرام، وولدوا، بالنحل.
قلت لأبي عبد الله: كيف تقرأ أنت؟ قال: قلت أخرى، ثم قرأ: ?وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ?[الأنبياء:95].
حدثنا محمد، قال: حدثني أبو عبد الله، عن أبيه أنه سئل لِمَ صارت بغلة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وسلاحه عند علي دون العباس، والعباس أقرب رحماً من رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- من علي؟
فقال: لقول رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((من يقضي عني عداتي وديوني، وتكون له تركتي))؟ فضمنها علي، فمن هذا الوجه صارت له تركة النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- دون العباس.(2/390)


قال محمد: وسئل أبو عبد الله عن قول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لعلي يوم غدير خم: ((اللهم، وال من والاه، وانصر من نصره، وعاد من عاداه)).
قال: يقول: هو في حلالته لكم وليّ لا يكون أن يكون في حاله يراه أبداً، ويمكن ذلك في غيره كائناً من كان فنصب لهم عَلَماً عند الاختلاف والفرقة.
وسئل عن الولاية، أفرض كسائر الفرائض؟
فقال: نعم، لنداء النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بها له، وإن جهلها رجل فلم يتولّ لم ينقطع عنّا بذلك عصمته، وإن تبرأ وقد علم انقطعت عصمته، وكان منَّا في حد براءته، نقول: براء مما دان به، وأنكر من فرض الولاية، لا براء يخرج بها من حد المناكحة والموارثة وغيره مما تجري له أحكام المسلمين بينهم بعضهم في بعض على من أو فقنا في الولا ية، وأنجابها في المناكحة والموارثة، غير أن هذا الموافق معتصم بما قد اعتصمنا به من الولاية، ونحن من الآخر في حد البراءة من فعله وقوله على مثل هذه الجهة، لا على مثل البراءة منَّا من أهل الشرك واليهود والنصارى والمجوس، فهذا وجه البراءة عندنا ممن خالفنا.
قال محمد: وقال أبو عبد الله: يتولى أمير المؤمنين -رحمة الله عليه- في ظاهره وباطنه، ويوجب له العصمة، وليس ذلك لغيره من الأمة، ولو أن رجلاً تبرأ منه لشيء من أعماله، وترك ولايته لشيء منها، ولو أن رجلاً قال: أنا أتولى رجلاً من المسلمين لظاهر عمله وأموره، وأتبرأ منه(2/391)


لشيء قد اطلعت عليه من باطن أمره لم تجب علينا البراءة ممن قال هذا، ولكنَّا نقول: إنَّا نتولاه على مَا ظهر من أعماله وفعاله، وأنت أعلم ومَا تقول فيه، ولو قال: أتبرء من علي لوجه من الوجوه، لا عماله وفعاله وغير ذلك، قلنا له: قد تبرأت ممن أمر الله تعالى بولا يته، وقد أخبرنا بعصمته، وقد وجبت البراءة منك، وليس ذلك لغير علي.
قال محمد: وقال أبو عبد الله: التقية جائزة لغير الحجة مَا كان باللسان دون العقل، ولا تقية في العقل لأحد، ولا تقية للحجة في أمر ونهي، وهو النبي ومن بعده ممن أخبر الله بعصمته أن يقولوا في كل أقوالهم الحق، قبل منهم ورد عليهم.
حدثنا محمد، قال: حدثني ابن أبي عبد الله، عن أبيه أنه كان يتقي التشبيه، ويقول: هو عزَّ وجل موجود في كل مكان بلا كيفية، قال: كل شيء في القرآن جاء ربك، ويأتي ربك وأشباه هذا، وهو جاء أمر ربك، ويأتي أمر ربك.(2/392)

170 / 184
ع
En
A+
A-