باب في الأطفال ومَا يصيبهم من الآلام
قال محمد: أخبرني رجل أثق به أنه سمع من قاسم بن إبراهيم: سألت عمَا يصيب الأطفال من الألم كيف كان الله عزَّ وجل فيما يصيبهم به غير ظلاّم، ولو فعل بهم غيره لكان لهم ظالماً؟
قيل لهم: لا حول ولا قوة إلاّ بالله، الفرق عند من أنصف أبين من كل بيان؛ لأن الله عزَّ وجل ولي كل مَا بالأطفال من نعمة، وليس بمأمور ولا منهي في شيء في ذلك، الشكر واجب فيما بهم من نعمة وحسنة، وليس لهم في ذلك على الله نعمة واجبة، وكل مَا وصل إليهم من الله من ألم أو أذى ففيه موعظة وعبرة لأولي النهى، ودليل على قدرة الله، ولو كان يلزم في ذلك شيء من التجويز والظلم للزم فيما هو أكبر من ذلك من موتهم الذي هو آلم الآلام، وكذلك أيضاً كان يلزم من موت الأبرار، فهم أكثر من الأطفال، وليس في هذا والحمد لله مسألة يلزم بها تعنيف، ولا يعتلّ بها إلاّ كل متحير.
حدثنا محمد، قال: حدثني عبد الله بن محمد: أنه كان حاجاً أو معتمراً مع أبيه عبد الله بن الحسن، فلما مروا بعرق الظبية، إذا بجعفر بن محمد جالس في ظل العرق، فاتكأ عبد الله بن الحسن على جناح المحمل، ثم قال: يا جعفر بن محمد.. قال: لبيك يا أبا محمد، لا ورب هذه البنية الحرام التي أنا متوجه إليها مَا الأمر إلاّ الذي تعرف، ولا الدين إلاّ واحد، وإنه ليكذب عليّ كل ماتسمع.
حدثنا محمد، قال: أخبرني قاسم بن إبراهيم، قال: حدثنا أبي، عن أبيه، عن آبائه، عن علي -عليه السلام- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((يا علي، يكون قوم يهلكون بادعاء حبك، لهم نبز يعرفون به، يقال: لهم (الرافضة)، إن أدركتهم فاقتلهم فإنهم مشركون)).(2/383)
قال قاسم: فكنت أهاب هذا الحديث، ثم نظرت فإذا هم مشركون من وجوه.
حدثنا محمد، قال: حدثني علي بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن حسين بن علوان، عن أبي خالد قال: كنا جلوساً عند أبي جعفر محمد بن علي، فقال له رجل من الأنصار يسمى سعد: يا بن رسول الله، إن قوماً يأتوننا من المشرق فيحدثوننا بأحاديث، فإما قوم ضللنا، وإما قوم كتمنا، والحجة على من كتمنا.
فقال: كيف؟
قلت: ياسعد، فرد عليه المسألة.
فقال: هي ياسعد.
فقال: هو أعظم من أن أواجهك به.
قال: عزمت عليك لما جئت به.
فقال: يزعم قوم أنك تعرف شيعة آل محمد بأسمائهم وأسماء عشائرهم.
فقال: ويحك! والله مَا أظن من يستحل دماءنا وأموالنا تقول هذه المقالة.
ويزعم قوم أنك تركب بغلة رسول الله الشهباء فتصلي بهم بالكوفة الجمعة، ثم تروح إلينا بالمدينة، ويزعم قوم أنكم سترجعون أنتم وعدوكم إلى الدنيا فتقتصون منهم مَا أتوا إليكم قبل الآخرة.
ويزعم أنكم تأمرون نساءكم الحيض إذا هنَّ طهرن أن يقضين مَا جلسن في حيضهنَّ من صلاة.(2/384)
قال: هي ياسعد..قال: حسبي، أخرجني من هؤلاء الأربع.
قال: أما قولك: إني أعرف شيعة آل محمد بأسمائهم وأسماء آبائهم وعشائرهم، فهذا بيتي ليس له باب سوى هذا الباب، وفيه يكون أهلي، وتالله مَا أدري من يدخل إليهم ولا من يخرج من عندهم ولا يتحدثون به، فكيف أعلم بما هو ناءٍ عني؟.
وأما قولك: إني أركب بغلة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- الشهباء فأصلي بالكوفة الجمعة، ثم أروح إلى المدينة، فوالله مَا رأيت بغلة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قط، ولا رأيت الكوفة في نوم ولا يقظة.
وأما قولك: إنَّا نرجع نحن وعدونا إلى الدنيا فنقتصّ منهم مَا أتوا إلينا قبل الآخرة، فكفى بعقوبة الآخرة نكالاً، فوالله لو نعلم ذلك مَا سكنَّا مساكنهم ولا اقتسمنا مواريثهم، ولا خلفنا على نسائهم، ولا أنكحنا نساءهم غرائب في غيرنا، ووالله إن كانت وصية الحسن للحسين إذْ قال له: يا أخي، إن تحتي ثلاث نسوة فقد رضيت لك تبعلهنَّ فاخلف عليهنَّ، فخلف على امرأتين منهنَّ، وأبت الثالثة وقالت له: ليس يمنعني أن لا تكون كفواً، ولكن عليّ أن لا يجتمع رأسي بعد الحسن ورأس أحد أبداً.
ويحك يا سعد!! فإن رجع الحسن والحسين لأيهما تكون؟ إذا رأيت أسماء بنت عميس كانت تحت جعفر بن أبي طالب فقتل شهيداً مع رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، ثم خلف عليها بعد أبو بكر علي، فإذا رجع القوم لأي الثلاثة تكون إذاً؟(2/385)
وأما قولك: إنَّا نأمر نساءنا الحُيَّض إذا طهرن أن يقضين مَا جلسن في حيضهنَّ من الصلاة، خالفنا كتاب الله ربنا وسنة نبينا، إذن فقد كانت أزواج رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أمهات المؤمنين يرين مَا ترى النساء، فيقضين الصوم ولا يقضين الصلاة، وقد كانت أمنا فاطمة بنت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ترى مَا ترى النساء فتقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، بل نأمر نساءنا الحيض إذا كنَّ في وقت الصلاة أن يسبغن الوضوء، ويستقبلن القبلة، من غير أن يفرض صلاة، ولا يدخلن المسجد، ولا يقرأن قرآناً فيسبحن ويكبرن.
فقال له رجل من القوم: يكبرن إذا دخلن، ويسلمن إذا خرجن؟
قال: ويحك!!.. قد فرض إذن.
قال محمد: سألت أبا عبد الله عن الرجعة؟ فقال: باطل.
وقال أبو عبد الله: قد ذكرت لأبي جعفر، فقال: تزوج الحسين بعض نساء الحسن، فإذا رجعوا لمن تكون منهما للأول أو للآخر؟
قلت لأبي عبد الله: يصلى خلف من يقول بها؟
قال: لا.
قال محمد: سألت قاسم بن إبراهيم عن الرجعة؟ فلم يثبتها، ولم يذكر أنه أدرك أحداً من أهله أثبتها.(2/386)
باب في المرجِية
قال محمد: سألت أبا عبد الله عن الإيمان قول وعمل؟
قال: الإيمان قول وعمل، ثم قال: والقول عمل. وقال أبو عبد الله: الإيمان: المعرفة، والإقرار.
قال الله تعالى: ?وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى?[الأعراف:172] وقوله تعالى: ?وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ?[الزخرف:87].
قلت لأبي عبد الله: الإيمان يزيد وينقص؟
قال: نعم. قلت: مَا معنى زيادته ونقصانه؟ فذكر الأعمال، وزيادة الإيمان يزداد بالطاعة من الصوم والصّلاة وغير ذلك مما يقرب إلى الله، ونقصان العمل بالمعصية، ومَا يباعد عن الله، وقال: مَا العَوْن والمَنّ والتوفيق؟ وشرح أبو عبد الله فيه شرحاً لم أحفظه، وذكر آيات من القرآن الكريم.
حدثنا محمد، قال: حدثني علي بن أبي عبد الله، عن أبيه، أنه سئل عن الإيمان يزيد وينقص؟
فقال: الإيمان تام في كل الأحوال، لا يكون ناقصاً، ولكن يزداد باليقين والإخلاص على قدر مَا يخص بذلك منه.
ويزداد بالأعمال والفرائض الواجبة عليه، وهو في كل الأحوال تام لاينقص، وهو التصديق بما جاء به محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-، والإسلام: إقامة مَا شرع من شرائع الدين والانقياد له، فهذا معنى الإيمان(2/387)