باب في كل ذي ناب من السبع ومخلب من الطير
قال محمد: بلغنا عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((أنه عاف أكل الأرانب لدم رآه بها، وأذن لأصحابه في أكلها)).
وبلغنا عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ((أنه نهى عن أكل كل ذي مخلب من الطير، وكل ذي ناب من السبع)).
فكل ذي مخلب من الطير: فالباز، والصقر، والشاهين، والعقاب، والباشق، وما أشبه ذلك، والغراب الأبقع والنسر لا خير في أكله.
وما لم يكن له مخلب من الطير فلا بأس بأكل لحمه، وكل ذي ناب من السبع: فالأسد، والنمر، والذئب، والضبع، والثعلب، وما أشبه ذلك، ولا بأس بأكل لحم الغراب الأسود الزرعي، والعقعق، والسوداني.
وبلغنا عن علي -عليه السلام- أنه أكل لحم سوداني ونهى عن أكل الضَّب، ويكره أكل لحم اليَرْبُوع والقُنْفُذ وجميع هوام الأرض، وهذا مكروه من صيد البر، وأما صيد البحر فيحل منه السمك.
وقد ذكر عن أبي جعفر محمد بن علي في أكل البزاق رخصة وكرهه غيره. وكذلك السلحفاة والسرطان والقنفذ، وجميع صيد البحر مكروه أكله خلا السمك.
وقال: رجل استأجر رجلاً يصيد له منذ غدوه إلى العشاء بأجرة مسماة في ملك المستأجر، أو في مباح غير ملك، فالأجرة جائزة، وما اصطاد منذ غدوه إلى العشاء فقد وجبت له الأجرة بجلوسه، وإن كان استأجره على أرطال مسماة بأجرة مسماة فله الأجرة، إذا اصطاد استأجره على أرطال مسماة(2/363)
بأجرة مسماة فله الأجرة إذا اصطاد ما سمي له، وإن قصر من الصيد عمَّا سمي له فله من الأجرة بقصد ما اصطاد، فإن لم يصد شيئاَّ فلا شيء له، وإن اصطاد أكثر مما سمي له فليس له إلا ما سمي له من الأجرة، وهو متطوع بما اصطاد، وهو للمستأجر إن كان في ملكه، وإن كان في غير ملك فهو للذي اصطاد، ولا شيء للمستأجر من فضل السمك، فإن كانت الشبكة للمستأجر، فأعان بها المستأجر في فضل ما اصطاده فهو ضامن لما أفسد.
وبه قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا أحمد بن عيسى، عن حسين بن علوان، عن أبي خالد، عن زيد، عن آبائه، عن علي -عليه السلام- أنه كان يكره أكل الطافي على الماء، وما نضب عنه الماء إلا أن يدركه حياً، وما وجد بساحل البحر إلا أن يدركه يتحرك.
قال محمد: هذا الحديث الأخذ به أحب إليّ، ولا أفسد ما وُجد بساحل البحر، وما قذف الماء، وما نضب عنه الماء إلا لما روي عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- من الرخصة فيما وجد بساحل البحر، إلا أن يعلم أنه طاف فلا يؤكل.
وبه قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا جعفر بن محمد، عن حسين بن علوان، عن جعفر، عن أبيه، قال: نهى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- عن صيد الطير بالليل، وقال: ((إن الله سبحانه وتعالى جعل الليل سكناً وأماناً)).
وبه قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا قاسم بن محمد، عن أبي شيبة،(2/364)
حدثنا عمران بن محمد بن أبي ليلى، عن أبيه محمد عبد الرحمن، في المسلم يصيد بكلب يهودي والنصراني إذا كان معلماً.
قال: لا يؤكل إلا أن يكون المسلم قد أخذه وعلمه.
وقال ابن أبي ليلى: كل شيء يصيد من الطير فهو من سباع الطير لا خير فيه؛ لأنه لا يؤكل مثل الغراب الأبقع والأسود الغداف.
وقال ابن أبي ليلى في كلب مجوسي معلم يصيد به مسلم، قال: إن الناس يرخصون، ولكن دع ما يريبك الى ما لا يريبك. وسئل عن سكين المجوسي؟ فقال: مثل ذلك.
وبه قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا علي بن حكيم، عن حميد، حدثنا قيس بن الربيع، عن سالم، قال: سألت سعيد بن جبير عن الحلال يصيد الصيد يأكله المحرم؟.
فقال: سأخبرك من ذلك بما لا تسأل عنه أحداً بعدها: قال الله تعالى وتبارك: ?يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ?[المائدة:95]...الآية. وقال تعالى: ?أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ?[المائدة:96] وذاك الرجل يأتي القوم في سفينتهم فيقولون: إن شئت أطعمناك عريضاً، وإن شئت من طعامنا، فإن قال: عريضاً ألقوا شباكهم فصادوا، فإن قال: من طعامكم أطعموه مما ملحوا ويبسوا، فذلك:? َطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ?(2/365)
ثم قال تعالى: ?وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا?[المائدة:96] فحرم قتله في أول الآية، وحرم أكله في الآية.
وبه قال: حدثنا محمد، عن علي بن حكيم، عن حميد، حدثنا زهير، عن حجاج، قال: سمعت عطاء يقول: ماكان من صيد البحر يعيش في البر، وما كان من صيد البر يعيش في البحر فلا يصيده المحرم، وفيه الكفارة.
وبه قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا قاسم بن أبي شيبة، عن عمران بن محمد، قال ابن أبي ليلى في رجل أرسل كلبه فأدرك صيده حياً فمات في يده، أو مات تحت كلبه فتركه متعمداً حتى يقتله، أو غير متعمد.
قال: إذا أدركه حياً فليذبحه، فإن كان تركه تحت الكلب حتى مات فلا يضره.
وقال في صيد كلب اليهودي والنصراني إذا كان معلماً أو غير معلم، وكلب المسلم إذا كان غير معلم فأخرجه معه فاصطاد، قال: إذا رد عليه الكلبان فلا يأكل، وإن أرسله المسلم ولم يعلمه فاصطاد فليأكل.
وبه قال: حدثنا محمد، قال: حدثنا أحمد بن أبي عبد الرحمن، عن الحسن بن محمد، عن الحكم بن ظهير، عن السدي، قوله تعالى: ?يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ?[المائدة:94] قال السدي: هذا الضب، واليربوع، وبيض النعام، وأما ما حكم بالند على الخيل فهو الحمار الوحشي، والنعامة والبقرة الوحشية، والظبي والقوس مثل الرمح.(2/366)
حدثنا محمد، قال: حدثنا أحمد عن الحسن، عن الحكم، عن السدي قوله تعالى: ?يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ?، قال: من اصطاد صيدا خطأ أو عمداً فعليه الفدية، إما مثل ماقتل من النعم، قال: في الظبي شاة، وفي البقرة بقرة، وفي الحمار الوحشي جزور، وفي الضب واليربوع سخلة قد رضعت وأكلت العشب.
حدثنا محمد، قال: حدثنا أحمد، عن الحسن، عن الحكم، قال: حدثني السدي، قال: قال علي بن أبي طالب -عليه السلام- في بيض النعام إبل عدد البيض، ثم يساق عنه أولادها إلى الكعبة، فما نتجت يوضع مكان البيض، فقيل له: إن الأبل تزلق، فقال: (والبيض تمذق)، يقول تفسد.
حدثنا محمد، قال: حدثنا أحمد، عن الحسن، عن الحكم، عن السدي:من وجد طعام مساكين فهو يجد ثمن الهدي، ومن وجد ثمن الهدي، فقد وجب عليه الهدي، فقد وجب عليه أن يهدي، وإنما هذا اعتبار يعتبر عليه، ينظر كم جزاء الصيد يومئذ فيقوّم حنطة، فيُقَسّم مقدار الحنطة علىالمساكين؛ كل مسكين نصف صاع، ثم يصوم الرجل عدل ذلك المقدار من المساكين، لكل مسكين يوم.(2/367)