الخشني سألا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- عن الكلب المعلم يأكل من صيده؟، فأمرهما بأكل فضله، وقال أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- كلهم إلا ابن عباس: كل فضل الكلب المعلم، وإن لم يبق منه إلا بضعة من اللحم.
قال: وذكر أن طاوس كان يقول: ليس الصقور ولا الفهود ولا النمور من الجوارح التي أحل الله أكل ما أكلت من صيدها، وقال غيره: هذه كلها كالكلاب في صيدها.
وقال قاسم: لا يؤكل صيد الصقر والبازي والفهود إلا ما أدركت ذكاته؛ لأن الله عز وجل يقول: ?مُكَلِّبِينَ?[المائدة:4]، ولم يقل: مصقرين.
قال أبو جعفر في الجوارح من الكلاب، والبزاة، والصقور، والفهود: كلها سبيلها سبيل واحد في نفس الصيد، غير أنه يختلف في التعليم والأدب، فالكلاب إنما تعلم تؤدب لئلا تأكل، وكذلك بلغنا عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فإذا أكل الكلب المعلم من صيده فلم يقبل الأدب، ولم يحفظ التعليم فلا تأكل إلا ما أدركت ذكاته. وأما البازي والصقر فإنما يعلمان يؤدبان أن يجيبا إذا دعيا، فإذا هو دعي فأجاب فقد قبل التعليم، فكل من صيده، والفهد بمنزلة الكلب.
وبه قال: حدثنا محمد، قال: أخبرني جعفر، عن قاسم فيما قتل الكلب المعلم والبازي والصقر من الصيد وأكل، قال: قد اختلفوا في ذلك، وقد روى أهل العراق منهم الشعبي، وعدي بن حاتم،(2/338)
وقد روي عن أبي ثعلبة الخشني أنهما سألا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- عن صيد الكلب المعلم؟ فقال: ((كل مما أمسك عليك وإن قتل، وإن أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه)).
وذكر عن ابن عباس وقد اختلفوا عن غيره من الصحابة منهم سلمان وسعد، ومن التابعين أبو جعفر وسعيد بن المسيب أنهم قالوا: لا بأس وإن أكل ثلثيه، وتأولوا ?فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ? كان عندهم أنما أمسك وإن أكل بعضاً وترك بعضاً، وهو عندي كأنه أشبه بالكتاب، ومن احتاط لم يكن عليه في ذلك شيء، ومن تأول كتاب الله وأقاويل هؤلاء الذين لم يروا بأكله بأساً رجوت أن لا يكون بآثم ولا حرج، وإن كان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال ما روي عن عدي بن حاتم وأبي ثعلبة، فالباطل ما خالفه، وما أظن الرواية عنه بصحيحة.
فأما البازي والصقور والشواهين فأعجب ما فيه عندي من القول: أن صيدها ليس بذكي؛ لأن الله سبحانه يقول: ?مُكَلِّبِينَ?، والمكلِّب هو المُغْرَي، والإكلاب للكلب هو الإغراء. والصقر وأشباهه من الطير ليس عندنا من الجوارح، وقد رخص فيها كثير من الناس، وكذلك عندي الفهود ليس من الجوارح؛ لأن الصقور والبازي وأشباهها من الطير لا تشلا ولا تؤمر، فلذلك عندي ليست من الجوارح، فإن كانت الفهود لا تُشْلا ولا تغرى فحالها كحال الصقور، وإن كانت(2/339)
تؤمر وتشلا فتأتمر، فهي كالكلاب يؤكل ما أَفْضَلت وذكي ما قتلت.
وأما كلب المجوسي المعلم فلا بأس بأكل صيده إذا كان مرسله مسلم، وسمى الله، وكان الكلب معلماً. وقد كرهه قوم، ولم يَرَ به آخرون بأساً.
قال أبو جعفر: يكره صيد كلب المجوسي إذا أصابه مسلم.
قال: وكره ابن أبي ليلى سكين المجوسي.
وبه قال: حدثنا محمد بن منصور، قال: أخبرني جعفر، عن قاسم في الرجل يأخذ الصيد من كلبه وبه رمق ثم يموت، قال: إذا أدركه وفيه حياة ذبحه وذكاه، وإن لم يدرك ذكاته فلا يأكله إلا أن يذكيه ذكاة تامة.
قال أبو جعفر: إذا أدركت ذكاة الكلب والبازي والصقر أو غير ذلك فلم تأخذه من فيه حتى مات، فإن كنت تربصت به مجتزئا بتذكية الكلب فلا تأكل، كان ينبغي أن تكون أنت الذي تذكيه، وإذا اشتغلت بغيره فمات قبل أن تذكيه فلا تأكل.
وبه قال: حدثنا محمد، قال: أخبرني جعفر، عن قاسم في الصيد بالليل في مأمن الصيد ومأواه، قال: إنما يكره من ذلك أن يطرق، فإن صار إليه يعني الصيد فلا بأس بما أصيد من صيد فيه؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا شريك له أحل الصيد، ولم يوقت من الليل والنهار له وقتاً.
قال أبو جعفر: في صيد الوحش والطير بالليل: لا يصلح، بلغنا أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- نهى عن ذلك، وقد تكلم بعض أهل العلم في صيد السمك بالليل، فرخص فيه(2/340)
بعضهم وكرهه بعضهم.
قال أبو جعفر: الناس على صيد السمك بالليل والنهار، وليس في النهي بمنزلة الطير والوحش، وقد كره بعض الناس، وليس به بأس عندي.
وبه قال: حدثنا محمد، قال: أخبرني جعفر، عن قاسم في صيد المجوسي والمشرك المحارب للسمك، قال: يغسل ما أصابوا من مس أيديهم، ولا بأس به؛ لأنه ذكي في نفسه.
وقد روي عن علي -عليه السلام- أنه كرهه، وما أظنه بصحيح عنه، وكان ابن عباس لا يرى بصيد المجوسي للسمك بأساً.
قال أبو جعفر في صيد المجوسي للسمك، روي عن علي -عليه السلام- أنه كان يكره صيد المجوسي للسمك، ورخَّص فيه غيره.
قال أبو جعفر: المشرك بمنزلة المجوسي يكره صيده للسمك، قال: وأما صيد اليهودي والنصراني فلا بأس بصيدهما للسمك وغير السمك، وجائز ذبيحتهم.
قال: وقد نهى علي وابن عباس عن نكاح أهل الحرب في دار الحرب، وقالا: من أجل النسل لا من أجل التحريم.(2/341)
وبه قال: حدثنا محمد، قال: أخبرني جعفر، عن قاسم، في رجل رمى صيداً فأصابه، ثم غاب ليله وراء جبل، ثم أصابه ميتاً وسهمه فيه، قال: إذا لم ير فيه أثراً سوى أثره أو أرسل عليه كلباً، فلم ير فيه سوى أثر كلبه وعرف ذلك معرفة يقين أكله وكان حلالاً أكله، نهاراً أصاده أو ليلاً، وفي سهل كان ذلك أو جبل.
وفي الذئب أو الأسد يعدو على البقرة أو الشاة فينثر قُصْبَها ما لو تركها على حالها لماتت فتذكى، قال: لا بأس بأكلها إذا أدركت ذكاتها، ولا يأكل من ذلك عضواً بان بانتهاش السبع أو قطعه، سمعت أبا جعفر يقول: إذا افترس السبع شاة أو غيرها من الحيوان فنثر قصبها يعني بطنها، فقول أبي جعفر محمد بن علي وأصحابه: إذا أدركت منهاً عينا تطرف أو رجلاً أو ذنباً تتحرك فذكه فهو لك ذكي.
قال:وقال الحسن بن صالح ومحمد بن الحسن وغيرهما ممن يتفقه: إذا نثر قصبها فلا تأكل، هي بمنزلة الميتة.
وبه قال: حدثنا محمد، قال: أخبرني جعفر، عن قاسم، عن الطافي من السمك، وعمَّا قذف به البحر، وعمَّا قذف الحيتان بعضه بعضاً، قال: هذا كله ميتة فلسنا نحب أكله، وقد جاء عن علي -عليه السلام- النهي عن الطافي، وهو الميت من السمك، وكذلك كل ميت من كل ما أحل الله عز وجل من بهيمة الأنعام، ومن صيد البر والبحر.
قال أبو جعفر: يكره أكل السمك الطافي. بلغنا عن(2/342)