فإن قيل: إن الأعضاء الوجه والرأس والبدن عبارة عن الكل، وكما لا يجوز بيع عضو واحد من العبد، فكذلك لا يجوز عتقه.
قلنا: أن العتق يحتمل من الجهالة ما لا يحتمله البيع، إذ لا خلاف في أن من قال لجاريته: مافي بطنك حر، أنه يعتق ما في بطنها، ولا يحوز بيع مافي بطنها.
215 خبر: وعن ابي هريرية، عن النبي صلى الله عليه، أنه قال: ((من أعتق شقصا، أو شركا له في مملوكه فعليه خلاصه كله في ماله، فإن لم يكن له مال استسعي العبد غير مشقوق عليه)).
دل هذا الخبر على..... مذهبنا، وفساد قول أبي حنيفة في أن العتق ببعض، وفساد قول الشافعي: إن يصب ترك المعتق المعسر، يكون موقوفا.
فإن قيل: روى زيد بن علي، عن ابيه، عن جده، عن علي عليهم السلام، قال: يعتق الرجل من عبده ما شاء، ويسترق منه ما شاء، والخبر محمل عندنا على أنه أراد إذا كان له عبيد أعتق منهم ما شاء، وقد بذكر الجمع يلفظ الواجد كما قال الله تعالى: ?والعصر إن الإنسان لفي خسر?أراد الناس، وقد روي عن زيد بن علي عليه السلام في عبد بين رجلين، أعتقه أحدهما أنهه يقوم عليه بالعدل فيضمن لشريكه حصته، وحكى أنه مذهب الناصر عليه السلام، وعنه أنه لا يستسعي العبد والأخبار والإجماع يوجب أن يستسعي إذا كان المعتق معسرا.
216 خبر: وعن النبي صلى الله عليه وعلى أهله، فيما رواه زيد بن علي، عن ابيه عن جده، عن علي عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه: ((من ملك ذا رحم محرم فهو حر)).
217 خبر: وعن ابن عباس، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه، فقال: ((يارسول الله إني دخلت السوق، فوجدت أخي فاشتريته، وأنا أريد أن أعتقه، قال: فإن الله تعالى قد أعتقه)).
218 خبر: وعن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه: ((من ملك ذا رحم محرم فهو حر)).
219 خبر: وعن عمر، عن النبي صلى الله عليه، ((من ملك ذارحم محرم فهو حر)).(1/491)
دل على أن ملك شقصا من ذي رحم محرم أنه يعتق كله، وبه قال أبو حنيفة وأسحابه، وقال الشافعي: لا يعتق إلا أباؤه وأمهاته وأولاده، وحكى عن بعض الناس أنه من ملك أباه لم يعتق عليه حتى يعتقه، وتعلق من قال: بهذا، بما روى أبو هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه: ((لا يجزي ولد عن والد إلا أن يجده مملوككا فيشتريه، فيعتقه، والخبر محمول على أنه يعتقه بالشاء، والوجه سائر الأخبار، وإذا كان الحديث مع الشافعي، فالوجه القياس على الآباء والأمهات والأولاد، ومن سواهم من كل ذا رحم محرم، مع أن الأخبار شهد بذلك.
قال يحيى عليه السلام: من اشترى شقصا في ذي رحم محرم، أنه يعتق كله، ويضمن لشريكه ماله فيه على ما مضى في اليسار والإعتسار، ذكر ذلك في كتاب العتق، ولم يعتبر العلم والجهل، وذكر في كتاب النكاح من الأحكام، فاعتبر العلم، والصحيح ما ذكره في كتاب العبتق، ولعله رجع عما قاله في كتاب النكاح، لأن من استهلك/58/ لغيره مالا، فإنه يجب عليه ضمان ما استهلك لغيره سواء كان عالما أو جاهلا، ولا خلاف في أنه إذا ملكه بالإرث وشبهه أنه لا ضمن، وكذلك إذا اشترياه أوغنماه معا، أو وهب لهما فقبلاه معاْ، فعند ابي حنيفة أنه لاضمن، ويستسعي العبد في حصة الشريك، وهو قياس قول يحيى عليه السلام، الذي قال: إن كان أحد الشرييكين أذن لصاحبه أن يعتق نصيب نفسه سقط عنه الضمان، واستسعى العبد في نصيب الذي أذن، قال: أبو يوسف ومحمد يضمن، وإن كان شراهما وقبولهما معاْ، فأما إن ملكه بالإرث فلا يضمن عند الجميع.(1/492)
220 خبر: وعن جرير بن عبدالله أن النبي صلى الله عليه، بعث سرية له إلى خثعم، فاعتصم ناس منهم بالسجود فأسرع فيهم القتل، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله، فأمر لهم بنص العقل وذلك أنه لما احتمل أن يكون سجودهم، لأظهار الإسلام، وقبول ما دعوا إليه، واحتمل أن يكون ذلك تفاديا من القتل، وعلى ما يفعله أهل الشرك تعظيما لهم فوداهم وأسقط نصف الدية لما استحقوا الدية في حال، ولم يستحقوها في حال.
221 خبر: وعن علي عليه السلام، أنه راعى في الغرقاء الأحوال لما جاز في كل واجد منهم أن يكون مات قبل صاحبه، وجاز أن يكون مات بعد صاحبه.
دل هذان الخبران على أن رجلا لو قال: لعبيد له ثلاثة أحجكم حر، ومات ولم يعينه أنهم يعتقون كلهم، ويسعى كل واحد منهم في ثلاثي قيمته للورثة، لأن الواد منهم يكون حرا في حالة، وعبدا ف يحالتين، وعلى هذا حكم للخنللخنشاء لبسة ببعض نصيب الرجل، ونصف نصيب المرأة لأنها تكون في حالة امرا، وفي حالة رجل، فإن لم يمت المعتق غير العتق على من يشاء منه، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه في جميع المسئلة، وقال الشافعي يقرع منهم ليعتبر الحر منهم بالقرعة.
وجه قولنا، ما تقدم.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه: أنه قرع بين نسائه لما أراد أن يسافر بواحدة منهم.(1/493)
قلنا: إنما فعل ذلك صلى الله عليه تطييبا لنفوسهن لأنه كان يجوز له أن يخرج بمن شاء منهن لقول الله تعالى: ?ترجي من تشاء منهن و...... إليك من تشاء.... الآية? وإنما فعل ذلك تطييبا لأنفسهن وعلى هذا يحمل قول الله تعالى: ?وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم? إن ذلك كان على تطييب النفوس، وكذلك قوله تعالى في يونس عليه السلام: ?فساهم فكان من المدحضين? تحمل أن يكون ساهم ليطيب نفوس القوم. ولا يجوز أن يلقىبنفسه في البحر إلا بأمر من الله تعالى، إذ لا خلاف أنه لا يجوز أن يعرض الإنسان نفسه للتلف إلا فيما أمر الله به من جهاد اعدائه، وأصل القرع في اللغة هو الضرب. ومنه المقرعة، ولو حكم بالقرعة في هذا لوجب أن يحكم بها في سائر الأحكام الملتبسة وهذا خلاف دين المسلمين.
222 خبر: وعن النبي صلى الله عليه وأهل أنه قال: ((الإسلام يعلو ولا يعلا عليه)).
دل على أن الذمي لا يجوز له تملك عبدا مسلما/59/ ولا خلاف في ذلك، وهذا يدل على أن بيع العبد المسلم إلى اليهودي لا يجوز؛ وبه قال الشافعي في اظهر قوليه. وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه ويمنع من إمساكه.
وجه قولنا، الخبر وقول الله تعالى: ?ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا?.(1/494)
من باب التدبير
223 خبر: وعن زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي عليهم السلام: أن رجلا أتاه. فقال: إني جعلت عبدي حرا إن حدث بي حدث. فلي أن أبيعه؟ قال: لا. ومعناه عندنا إذا لم يكن هناك ضرورة، اختلفت العلماء في بيع المدبر، فذهب الشافعي إلى جواز بيعه على كل حال. وبه قال الناصر عليه السلام. وقال أبو حنيفة واصحابه: لا يجوز بيعه على كل جه من الوجوه.
وقال مالك: قريبا من قولنا أنه لا يباع إلا في دين. فاستدل الشافعي والناصر عليه السلام، مما روي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله: أن رجلا دبر غلاما لا ماله له غيره. وفي خبر آخر: وعليه دين. فقال رسول الله صلى الله عليه: ((من يشتريه فاشتراه نعيم بن النخام)) وفي بعض الأخبار: ((إذا احتاج أحدكم فليبدأ بنفسه)) وبا روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه: باع مدبر في دين الذي دبره. واستدل أبو حنيفة وأصحابه بخبر علي عليه السلام وبما روي عن نافع، عن ابن عمر. قال: قال رسول الله صلى الله عليه: ((المدبر لا يباع ولا يشترى وهو حر من الثلث)).
وجه قولنا، أنا جمعنا بين الخبرين.
قلنا: لا يجوز بيعه إلا من ضرورة.
قال المؤيد بالله قدس الله روحه: ليس عتق المدبر تجري مجرى العتق بصفة، فذلك أن من قال لبعده: إن دخلت الدار فأنت حر فدخل العبد الدار مع موت السيد لم يعتق لئن حصول الشرط صادف زوال ملك المعتق، فلو كان التدبير يجري هذا المجرى كان يجب أن لا يعتق بموته لئن الشرط وهو الموت يكون مضاد فالزوال ملكه وكان يجب أن يكون بمنزلة أن تقول: إذا بعتك فأنت حر، ولا يعتق لئن حصول الشرط صادف زوال الملك فينت أن عتق المدبر يستحق قبل الموت كعتق أم الولد ولا خلاف في أن عتق المدبر لازم بعد الموت وأنه من الثلث. وبه جاء الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لا يباع من ولا يشترى وهو حر من الثلث)).
224 خبر: وعن علي عليه السلام: مثله.(1/495)