وقد قدمنا القول أن الشركة لاتصح إلا بالنقود، فكذلك المضاربة، وبه قال زيد بن علي عليه السلام، وأبو حنيفة وأصححابه، وأكثر العلماء، وقال القاسم عليه السلام: تصح المضاربة بالعروض، قال المؤيد بالله قدس الله روحه: والذي عندي فيه أنه أراد أن يرفع صاحب المال العرض إلى المضارب لبيعه، ويكون المضاربة يقع على الالثمن، وفاقا لقول يحيى عليه السلام في القبو، لا تصح المضاربة إلا بالنقد، وإذ حالف المستشار صاحب النقد في التجارة، فسدت المضاربة، وإن حالفه في المكان لم تفسد المضاربة، وإن تلف المال ضمنه المضارب على الوجهين اللمحالفته صاحب المال، وإذا ربح المضارب في المضاربة الفاسدة فأجاز صاحب المال فعاله، فالربح لصاحب المال، وللمضارب أجرة مثله،ولا يجاوز ما شرطا، وإن لم يجزه كان الرب لبيت المال، قال أبو حنيفة: هو للمضارب يؤمر أن يتسدق به، وقول ابي يوسف، ومحمد لا يؤمر يتصدق به، وقول أصحاب الشافعي مثل قولنا والوجه ما روي.
158 خبر: عن عاصم بن كليب، عن أبيه في الشاة المغصوبة التى دعى النبي صلى الله عليه وعلى أهله إليها فلم يسغه، فسأل عن شأنه فأخبر أنه لغيره، وأنها ذبحت لغير إذن صاحبها، فأمرهم أن يطعموها الأساري.
دل ذلك على أن يسير إلى الأساب من جهه محضورة يكون لبيت مال المسلمين، وقلنا لا يجاوز به أجرة المثل،لأنه رضي بذلك، وبه قالمالك، وأبو يوسف، وقال الشافعي، ومحمد: له أجرة مثله بالغة ما بلغت.(1/461)
وجه قولنا، أنه لا يستحق على الجناية الزيادة في الأجرة لأنه يكون خلاف الشرع والعقل، ولأنه قد رضي بالشرط وليس للضارب أن يقرض مال المضاربة/42/ ولا إن أخذ به سفته، والسفتحه بمعنى القرض، لأن القرض طلب الربح، وليس في القرض ربح، فإن قال له صاحب المال: إفعل برأيك جاز له أن يخلطه بماله، وأن يدفعه إلى غيره مضاربة، وإن لم يقل له ذلك لم يجر خلطه فماله، ولا دفعه إلى العير ليتجر فيه، وإذا سافر فنفقته من مال المضاربة، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه، ولأصحاب الشافعي في قولان، أحدهما مثل قولنا، والثاني أنه لا تكون النفقة منه.
وجه قولنا، : أنه من سائر المؤن الكرى وشبهه وهو من المال وليس من الربح، ولا خلاف في أن المضارب إذا تدر وربح، ثم أتجر دفعه أخرى فخسر، ولم يك قد قاسم صاحب المال الربح أن لصاحب المال رأس ماله فما بقي قسم بينهما، ولاخلاف في أن المضارب أمين فعلى هذا إن تلف المال كان القول فيه قوله مع يمينه، هذا في المضاربة الصحيحة، فأما في المضاربة الفاسدة، فإنه يكون حكمه كحكم الأجير المشترك،وعند أبي حنيفة أن الأجير المشترك أمين، وقول محمد وابن يوسف مثل قولنا، قال الهادي إلى الحق عليه السلام: ولو ضمن المضارب المال كان ضمانه باطلا، فإن شاء وفاء، وإن لم يشأ لم يف، والوجه أنه كالمودع فيجب أن يبطل ضماننه كما يبطل ضمان المودع، فإن قيل أن المستعيرإذا ضمن لأمة بضمان قلنا إيما جعل الحفظ في مقابلة المنافع، والمودع ليست له منفعة وربح، المضارب الذي يصير إليه إنما هو بكده وتجارته.
159 خبر وعن يحيى بن الحسين عليه السلام قال: بلغنا عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال في رجل يموت وعنده مال مضاربة: إن سماه بعينه قبل أن يموت فقال: هذا لفلان فهو له وإن مات ولم يذكره فهو اسوة الغرماء ولا خلاف فهذه الجملة إلا ما ذكر عن القاسم عليه السلام أن الدين أولى إذا لم يكن معيبا.(1/462)
وجه قولنا، أن الدين مضمون ومال المضاربة غير مضمون والصحيح ما ذهب إليه يحيى عليه السلام وهو قول اكثر العلماء.(1/463)
من باب شركة السفل والعلو والشوارع ونحو ذلك
160 خبر: وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)).
161 خبر: وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيبة من نفسه)).
دل هذان الخبران على أنه لا يجوز للشريك أن يضر بشريكه في وجه من الوجوه، وإذا كان سفل وعلو لشريكين فانهدم وأراد صاحب العلو أن يبني وجب على صاحب السفل بناء سفله، فإن امتنع وأعمر بناه صاحب العلو وكان في يده حتى يؤدي إليه صاحب السفل بما غرم فيه، وكذلك ما شابه ذلك من العيون والأنهار وغير ذلك، وإذا كانت الصوامع مضرة بدور المسلمين وجب هدمها.
فإن قيل: لم اجزتم للرجل أن يبني في داره ما شاء وإن كان مشرفا على جاره؟.
قلنا: لئن الصوامع بنيت لمصالح المسلمين، فإذا اضرت المسلمين زال الغرض الذي بنيت/43/ له من مصالح المسلمين، وليس كذلك بناء الرجل في داره وإنما يجب على جاره أن يستر على نفسه. وقول النبي صلى الله عليه: ((لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيبة نفسه)). يدل على أنه لا يجوز منعه مما يزيد في ملكه إلا من الأمر الذي لا يمكن جاره الأخير أن منه أو تغلب على الظن أنه لا يمتنع منه كالحريق وإرسال الماء الغالب وأشباه ذلك.
قال المؤيد بالله قدس الله روحه في حريم الأبار والعيون وهذا إذا التبس الأمر في الحريم أو كان حولها أرض مباحة فيمنع من أراد الإخباء في مقادير حريمها فأشار أذا كان حولها املاك معروفة فلا يمنع الملاك من املاكهم.
قال: وكذلك القول في تقدير الشوارع والأزقة والطرق.(1/464)
من باب القسمة
162 خبر: وقول النبي صلى الله عليه: ((لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)) يوجب القسمة إذا طلب ذلك الشركاء أو بعضهم ويمنع من قسمة مالا تتأتى فيه القسمة وأجاز يحيى عليه السلام قسمة الحاكم إذا كان بعض الشركاء صغيرا أو غائبا لدفع الضرر عن الشريك.
وقال القاسم عليه السلام: ولا بأس ببيع الماء في العيون والأنهار وقسمته بين الشركاء.
ووجه قوله عليه السلام: أنه لا خلاف في جواز القسمة فكذلك البيع والقسمة عندنا وعند اكثر العلماء بيع لأن حق كل واحد من الشركاء شائع في الجميع فإذا اقدر حقه كان قد جعل حق شريكه عوضا عما اعطاه.
فإن قيل: الماء مباح لقول رسول الله صلى الله عليه وعلى أهله: ((الناس شركاء في ثلاثة في الماء والنار والكلا)) وما كان كذلك لم يجز بيعه؟.
قلنا: المراد بذلك ما قد جرت العادة من الغسل والوضوء والشرب لأنه لا خلاف في أنه لا يجوز للرجل أن يسقي زرعه بماء صاحبه إلا بإذنه فبان أنه لا يجري مجرى المباح.(1/465)