قلنا: هذا محمول على أنهم لم يكونوا يحملون الأجل في وقت الوجود وقول النبي صلى الله عليه: ((من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم)).
يدل على أن جميع ما كان يملك ويباع ويشترى يجوز أن يسلم، نحو أن يسلم ويكون رأس مال السلم وكذلك ما يسلم فيه إلا ما كان يتفاوت تفاوتا عظيما كالحيوان والجواهر إذا كان بضبط مكيل أو وزن أو عدد أو ذرع فإن تفاوت في العدد ردا إلى الوزن كالبيض والقصب والحطب وشبهه واختلفوا في اللحم فعندنا وعند الشافعي وأبي يوسف ومحمد يجوز فيه السلم، وقال أبو حنيفه : لا يجوز، وقال: يجوز السلم في البيض معدوداً والتفاوت في البيض لصغره وكبره أكثر من التفاوت في اللحم وأيضا فهو موزون النقصان اليسير معفو عنه ولا يكاد يعدم التفاوت اليسير في سائر الأشياء.
110 خبر: وعن الهادي إلى الحق عليه السلام، يرفعه إلى النبي صلى الله عليه، أن يهودياً قال له يا محمد إن شئت أسلمت إليك وزنا معلوما في كيل معلوم في تمر معلوم إلى أجل معلوم في تمر معلوم وكيل معلوم ولا أسمي........
دل على أنه يجوز أن لا يشترط ما يخرج من مزرعة بعينها ولا ثوبا من نسيج إنسان بعينه وما اشبه ذلك.
111 خبر: وفي حديث اليهودي الذي اسلم إلى رسول الله صلى الله عليه أن اليهودي لما جاءه عند النبي آخر الأجل يتقاضاه فقال له رسول الله صلى الله عليه: ((يا يهودي أن لنا بقية من يومنا هذا)).
دل على أن الحق إذا أوجب في اليوم كان اليوم كله وقتا له.
112 خبر: وفي/32/ وفي حديث اليهودي الذي أسلم إلى رسول الله صلى الله عليه، إن لنا نفيه يومنا هذا، فقال اليهودي : إنكم معشر بني عبد المطلب قوم مطل فإغلظ له، فقال له رسول الله صلى الله عليه: انطلق معه إلى موضع كذا وكذا، فإوفه حقه، وزوده كذا وكذا، للذي قلت له.(1/441)
دل على أن زيادة المسلم إليه في المسلم فيه جائز، وكذلك حظ المسلم للمسلم إليه يجوز أيضا، ولا يجوز الزيادة في المسلم فيه لزيادة الأجل، قال الهادي إلى الحق عليه السلام: لا يجوز السلم إلا إذا كان كل واجد من المسلم والمسلم إليد غير واثق بالربح، ولا أمن للخسران، فإن كان أحدهما واثقا بالربح آمنا للخسران لم يجز التسلم، وكان من السلف الذي يجر منفعة الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه: كل سلف جر منفعة فهو حرام.
113 خبر: وعن النبي صلى الله عليه، أنه قال: ((الزعيم عازم والزعيم هو الكفيل))
دل على أنه يجوز في السلم أخذ الرهن والكفيل فيما أسلم فيه، والأصل قول الله تعالى: ?وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضه? والسلم من حملة الدينون.
فإن قيل: فقد روي أن النبي صلى الله عليه، كره ذلك.
قلنا: ذلك يحمل على استحباب التوقية والتوسعة بين الناس، وقد قال الله تعالى: ?فإن أمن بعضكم بعضا فاليؤد الذي اؤتمن أمانته?(1/442)
من كتاب الشفعة وباب من تجب عليه الشفعة وكيفية وجوبها
114 خبر: وعن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه، أنه قال: ((الشريك شفيع والشفعة في كل شيء)).
115 خبر: وعن ابن أبي مليكة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه: ((في العبد الشفعة، فيّ كل شيء)).
116 خبر: وعن سعيد بن خيبر، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه، مثله.
117 خبر: وعن جابر، عن النبي صلى الله عليه: ((الشفعة في كل شرك وحائط لا يصلح لشريك أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن باع فهو أحق به)).
118 خبر: وعن جابر قال قضى رسول الله صلى الله عليه بالشفعة فيما لم يقسم.
دلت هذه الأخبار على وجوب الشفعة للشريك في كال ما يباع من أرض ودار وعروض وحيوان وذهب الشافعي إلى أن ما لا تتأتى فيه القسمة كالحمام والدجاج والعبد لا شفعة فيه. وقول أبي حنيفة واصحابه مثل قولنا أن فيه الشفعة.
وجه قولنا، ما تقدم وإجماع العلماء أن الشفعة جعلت لدفع الأذى وذلك فيما لا تتأتى فيه القسمة اشد مما تتأتى فيه القسمة. ودل قوله صلى الله عليه: ((الشفعة في كل شرك على أن الشريك في الشرب أولى من الشريك في الطريق وكل من اثبت الشفعة بالجوار لا يخالف في الشرب والطريق أولى من الجوار والأصل فيه/33/ قول الني صلى الله عليه: ((الشريك شفيع والشفعة في كل شيء ولا خلاف أنه لا شفعة للجار إذا لم يكن ملازما)). وأبو حنيفة واصحابه يقدمون الشرب والطريق على الجوار إلا أنهم............... بين الشرب والطريق ونحن نقدم الشرب لأنه يجمع حققين حق الملاء وحق المجرى فهو اكد من الطريق الذي ليس فيه إلا حق الأسطراق ولا خلاف أنه لا شفعة لأحد مع الشريك في الأصل لأنه اخص بالمبيع، وكذلك أن الشريك في الماء اخص من الشرك في الطريق.(1/443)
119 خبر: وعن عطاء، عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه: ((الجار أحق بشفعة جاره نتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدة)).
120 خبر: وعن عمرو ابن الشريك، عن أبيه قال: قلت: يارسول الله أرض ليس لأحد فيها شرك، ولا قسم، إلا الجوار، فقال صلى الله عليه: ((الجار أحق بصقبه)).
121 خبر: وعن سعد بن أبي وقاص، لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول: ((الشريك احق بالشفعة والجار أحق ممن ورأه ما اشتريته)). وعن سمرة قال: قال: رسول الله صلى الله عليه: ((جار الدار أحق بالدار)).
122 خبر: وعن قتادة، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه قال: ((جار الدار أحق بالدار)).
دلت هذه الأخبار على وجوب الشفعة بالجوار بعد الشريك في الأصل والشريك في المنافع وهي الشرب والطريق. وبه قال أبو حنيفة واصحابه، وذهب ابن أبي ليلى، والشافعي، والإمامية، إلى أنه لا شفعة للجار، والوجه ما قدمنا من الأخبار الصريحة التي لا يتضمنها التأويل، ولأنه يدخل على الجار الأذى الذي يقرب مما يدخل على الشريك في الأصل والمنافع.
فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه أنه قال: ((الشفعة فيما لم يقسم وإذا وقعت الحدود فلا شفعة)) وفي بعض الأخبار: ((فإذا وقعت الحدود وصرفت الطريق فلا شفعة)).
قلنا: قد قيل أن قوله: ((فإذا وقعت الحدود فلا شفعة)) أدرجه الراوي في احديث فإن صح فمحمول على بيان أن الشفعة تكون على الفور، وإن الشريك إذا علم بالبيع فلم ينكر حتى وقعت القسمة أنه لا سفعة له ويحتمل أن يكون ذلك في القسمة التي ليست ببيع أنها لا شفعة فيها، وإن كانت تجري مجرى البيع، وأما تأولهم الجار على الشريك واستدلالهم بقول الشاعر:
وجارتنا بيني فإنك طالقة******كذلك امور الناس عاد وطارقة
فهذا بيعد لئن الشريك في اللغة لا يسمى جارا والمرأة بما أيضا سميت جارة لمجاورة الجسد للجسد فبطل تعلقهم بهذا.(1/444)
123 خبر: وعن النبي صلى الله عليه أنه قال: ((الإسلام يعلو ولا يعلا)).
دل هذا على أن الذمي لا شفعة له في مصر مصره المسلمون على مسلم ولا على ذمي.
قال يحيى عليه السلام في الأحكام: وكل مصر مصره المسلمون فلا شفعة فيه للذمي وإن كان مصره الكفار كان ه اذمة أن يشفع بعضهم عىل بعض ومل يكن لهلم شفعة على المسلمين.
وقال في المنتخب: والشفعة يجب لأهل الذمة إلا فيما تجب فيه الأعشار.
وجه قوله في الأحكام: ما تقدم من قول النبي صلى الله عليه: ((الإسلام يعلو ولا يعلا)) وقول الله تعالى: ?وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله/34/ هي العليا?.
ولأن الشفعة جعلت لفع الأذى، وقد أذن لنا في بعض الإيذاء لهم، قال الله تعالى: ?حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون?.
124 خبر: وعن النبي صلى الله عليه، أنه قال: ((إذا كنتم معهم في طريق فالجؤهم إلى مضايقة)).
125 خبر: وعن علي عليه السلام، أنه حاكم نصرانيا إلى قاصية شريح، فجلس حيث شريح، وأجلس النصراني بين يديه، وقال: لو لا أنك ذمي ما جلست إلا معك، فلم يسو بين ممجلسه، ومجلس خصمه، لأنه كان ذميا، وإن كان فيه بعض الأيذا، فبذبلك لم يجعل للذمي شفعة على المسلم، إذ لا يدفع عنه جميع الأذى كما يدفع عن المسلم، وكذالك لا شفعة له مصر مصره المسلمون على بذمي، ولا شفعة على مضر مضره المسلمون على ذمي، ولا غيره ليكون تفرقه بين المضرين، ولأنهم يمنعون فيه عن بنى البيع والكنائس فلا يفسح لهم أن يتحكموا فيه ويعلو القول النبي صلى الله عليه: ((الإسلام يعلو ولا يعلا)).(1/445)