دلت هذه الأخبار على أن العرايا هي العطايا، وأنه ليس المراد بها البيع لما تقدم من النهي عنهه، قال القاسم: والعرايا هي العطايا، وهي النخله، والنخلتان، والثلاث، والعشر، يعطها صاحبها فيجنى رطبا، وهي الهبة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، ومالك، وقال الشافعي: هي بيع التمر على رؤس النخل يخرمها من التمر، قال: وهي مشتقة من أعداء بعض النخل عن بعض وهو الإفراد، قال: وذلك جائز فيما كان دون خمسة أوسق، قال أبو العباس الحسيني رحمه الله: معناه أن تعطي الرجل مخلات من النخل ليجنى رطبا بتمر مؤجل، وفيه ترخيص المحتاجين الذين شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه في ثرى ما دون خمسة أوسق تمر مؤجل لأن لا يلحقهم الضرر بإخراج العشر، لأن من أصل يحيى عليه السلام، أن المشتري إذا اشترى ما يجب فيه العشر أن عليه أن يخرج العشر، وإن يرجع حتمته على البائع، قال: والخرص راجع إلى ماعلى رؤس النخل، ومعنى الخرص الإحتراز من لزوم العشر.
وجه قولنا، مما تقدم من النهي عن المزابنة، وهي بيع التمر على رؤس النخل ينهى/18/ وأيضا فلو كان التمر الذي على رؤس النخل، قد قطع ووضع على الأرض لم يجز بيعه بثمن بتمر جزافا، ولما فيه أيضا من الغرور وقد نهى النبي صلى الله عليه، عن بيع الغدر، وذلك أنه ينقص عند الجفاف.
فإن قيل: روي عن جارحة بن زيد بن بايت، عن أبيه، عن جده أن رسول الله صلى الله عليه، رخص في العرايا بالتمر والرطب، وري عن عن جابر، وأبي هريرة، أن رسول الله عليه، رخص فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق شك الراوي.
قلنا: ذلك يحتمل وخوها منها ماذكره أبو العباس الحسيني رحمه الله، ومنها أنه قد قيل أن العريةهي الهبة قبل التسليم ترخص في ارجوع فيها، وإن كان إخلافا لوعده.
فإن قيل: فقد روي رخص في بيع العرايا.
قلنا: يحتمل أن يكون العرية هبة على رجاء عرض فسميت بيعا لأنها تشبه البيع.
فإن قيل: فما فائدة ذكر الأوساق؟(1/416)


قلنا: يجوز أن تقول تلك الرخصة وقعت على ما دون خمسة أوسق، فروى أبو هريرة على ما شاء هذا.
فإن قيل: فما فائدة ذكر الرخصة في قولكم.
قلنا: يحتم لأن يكون الرخصة في هبة شيء من التحليل يجنى رطبا فرخص في العشر فيها، ولأن المكيل والموزون عندنا والمأكول عند الشافعي لا يجوز بيع بعضه ببعض خرصا، بل لا يجوز إلا مع العلم بالمساواه، فكذا هذا فكان تأويلنا أولى بأن الأخبار توكده، والقياس بعضك، وتأويل مخالفنا تنقض عليه أصله.(1/417)


من باب خيار البيعين
73 خبر: وعن النبي صلى الله أنه قال: ((البيعان بالخيار مالم يفترقان)) وهذا الخبر محمول عندنا على تفرق الأقوال وهو الإيجاب والقبول وهو قول زيد بن علي عليه السلام وبه قال أبو حنيفة واصحابه ومالك وذهبت الإمامية والشافعي إلى أن المراد به تفرق الأبدان.
وجه قولنا، قول الله تعالى: ?يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود? وقد عقدا عقدا ولم يسير...... خيار فإذا أجزنا لهما الخيار كما قد أجزنا لهما ترك الوفاء، قال الله تعالى: ?ولا تأكلا أموالكم بينكم بالباطل? وقال ?إلا أن تكون تجارة بينكم عن تراض? وقد وقعت تجارة عن تراض فصح ما قلنا، وقال الله تعالى: ?زما تفرقوا إلا من بعد ما جائتهم? قال: ?ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا? وقال:?الذين فرقوا دينهم?
74 خبر: وعن النبي صلى الله عليه، أنه قال: (( تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة)) والمراد بذلك تفرق الأقوال.
75 خبر: وعن النبي صلى الله عليه، أنه قال: ((من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يقتضيه))
76 خبر: وعن البني صلى الله عليه، أنه قال: ((لا يجزي ولد عن والده إلا أن تدهه مملوكا فتعتقه))
دل على أن الملك يستقر بعقد الشري لا بأوراق الأبدان، ودل قوله من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يقتضيه على إدازة الشراء من غير اعتبار إفتراق الأبدان، وقوله البيعان بالخيار أراد به الممتاومين، وقد روي المتبايعان كما روي ((لا يتعين أحدكم/19/ على بيع أخيه)) وفي خبر آخر لا تسوء من على سوم أخيه فغير عن السوم تارة بالبيع، وتارة بالسوم، فعلم أن البيع يستعمل في السوم.
77 خبر: وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((كل يتعين لا يبع بيهما حتى يفترقا بعلم أنه سمي المنساء ومين يتعين))
فإن قيل: فقد روي البيعان بالخيار مالم يفترقا، أو نقول أحدهما لصاحبه اختر.(1/418)


قلنا: أو هاهنا بمعنى إلى الأم وهي للإستثناء، فالمراد به لا يدخل إلا أن يقول كما قال لا تدخل الداربإذن لك صاحبها، ولا تصل أو يتوضئ، المراد به لا تدخل الدار حتى أن يأذن لك صاحبها، ولا تصل إلا أن توضىء، وإيضا لو كان الخيار موجب عقد البيع كان يجب إلا تصح عقد الصرف لئن من صحته شرط أن يتفرقا وليس بينهما شيء كما روي عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في الصرف: ((لا بأس مالم يفترقا وبينهما شيء)) فلو لم يبرم العقد حتى يفترقا وكان التفرق بينهما خيارا يفسد الصرف كان لا يصح الصرف بتة.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((إن الله يجب العبد يكون سهل البيع سهل الشراء)) وإذا كان عقد البيع بقطع الخيار كان هذا تشدد في البيع وخلافا للفضل.
قلنا المراد بالخبر: أن يكون سهل البيع سهل الشراء في المسامحة والتسهيل في الثمن وفي مثل شرط الخيار وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أنه كان إذا باع واشترى خير صاحبه. وهذا أيضا يدل على أن الخيار لا يكون بعقد البيع لأنه لو كان بعقد البيع لم يكن للخيرة معنى.
فإن قيل: فقد روي في بعض الأخبار ((حتى يفترقا عن مكانهما الذي عقد فيه)).
قلنا: ذلك محمول على أنهما شرطا الخياراً على المجلس، فلو كان ذلك كما قالوا لكان لو تبايع رجلان في سفينة مرسية أو حبس فملم يفترقا سنة أو شبهها يكون لهما الخيار إلى سنة يعني اشتراط ذلك وهذا مالا يقال به ولا يقبله ذووا العقول.................. البيع على النكاح والخلع والعتق وسائر العقود فأما الهبة فإنها تصح عندنا بالإيجاب والقبول وإن لم يقبض.(1/419)


78 خبر: وعن النبي صلى الله عليه: أنه نهى عن تلقي الجلب فقال: ((لا تلقوا الجب فمن تلقى واشترى شيئا فهو بالخيار إذا أتى السوق)).
دل على أن من استرى شيئا لم يره فهو بالخيار عند الرؤية إذ لا وجه لخيار من يشتري من الجلب إلا خيار الرؤية لئن من العادة أن المشتري هذا من الجلب يشتري الحث في الأوعية فإذا وصل السوق ونظره قلبه فصح أن من اشترى شيئا ولم يره أن له الخيار إن شاء فسخ البيع وإن شاء اتمه وهو قول زيد بن علي عليه السلام، وبه قال أبو حنيفة واصحابه، وهو أحد قولي الشافعي، وقال في قوله الثاني: أنه يبطل البيع.
وجه قولنا، الخبر ولأنه بيع عن تراض مفتقر إلى صفة فإن وجدت ورغب المشتري جاز البيع، وإن لم يرض فسخ البيع، ولا خلاف أن الثمن يصح، وإن لم يره البائع وكذلك يجوز بيع الجوز والباقلا بقشوره.
فإن قيل: أنه يقتضي الجهالة، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن بيع الغرر، ونهى عن بيع الملامسة وهو بيع الثوب المطوي.
قلنا/20/ لا خلاف في بيع السَّلم، فكذلك فيما لم يُرَ، وأما بيع الملامسة فليس هو بيع الثوب المطوي، بل ذكر العلماء أنه كان بيع الجاهلية، وذلك أنه كان يتساوم الرجلان السلعة فأيهما لمس بصاحبه وجب البيع، وقيل: إذا لمس المبيع، أو أومى بيده إليه وجب البيع.
79 خبر: وعن عثمان أنه باع مالا له وهو بالكوفة من طلحة بين عبيدالله فقال طلحة: لي الخيار لأني اشتريت مالم أره. وقال عثمان: لي الخيار لأني بعت مالم أره. فحكَّمَا بينهما جبير بن مطعم فقظى الخيار لطلحة. فأجمع هو لا الثلثة على أنه يجوز للأنسان شراء مالم يره، ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة فجرى مجرى الإجماع.
فدل على ما قلناه.
قال الهادي إلى الحق عليه السلام في الفنون: إذا اشترى شيئا لم يره ووصف له فوجده على الصفة فلا خيار له.
والمعمول عليه قوله السلام في الأحكام: أن له خيار الرؤية.(1/420)

84 / 152
ع
En
A+
A-