فدلت على أنه عرف وجوب نفقة المطلقه البائن من الكتاب والسنه. فأما التي طلقت طلاقا رجعياً فلا خلاف في وجوب النفقه لها والسكنى.
614 خبر: وعن الشعبي، قال: دخلت على فاصمه بنت قيس بالمدينه فسألتها عن قضاء رسول الله صلى الله عليه، فقالت: طلقني زوجي البته فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه، في السكنى والنفقه فلم يجعل لي سكنى ولانفقه، وأمرني أن أعتد في بيت أم كلثوم. وفي حديث مجالد، أنه قال: يا ابنة قيس إنما السكنى والنفقه لمن كانت له الرجعه.
دل هذا الخبر على أن المبتوته لاسكنى لها. وأما ذكر النفقه فقد بينا وجوهها بقوله صلى الله عليه: ((ولكن متاعاً بالمعروف))، ولإن النفقه إنما وجبت لها في العده من أجل حبسه لها عن الأزواج/192 /فأما السكنى فلا حق له عليها يلزمها به ولإنها قد صارت كالأجنبيه ولا يجوز له أن يساكن الأجنبيه وقد قال تعالى: ?اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم? فدل على أنه يسكنها حيث يسكن. فالمعنى اسكنوهن حيث سكنتم ومن زايده، فصح أن المراد بقوله: ?اسكنوهن? يعني من يجوز له الرجعه عليها، ولإن السكنى لها، حق له إلا ترث إنها لو أبرأته من السكنى كان له أن يطالبها أن تسكن حيث يسكنها وليس كذلك لو ابرأته النفقه فصح أن النفقه حق لها والسكنى حق له ولم يبق له على المبتوته حق يطالبها به. وأما قول الله تعالى: ?لاتخرجوهن من بيوتهن ولايخرجن? فهذا خاص في المطلقه طلاقا رجعياً. يدل على ذلك قول الله تعالى: ?لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا? وقد روي في التفسير أن ذلك الأمر هو الرجعه والمراد به الأسباب الداعيه إلى الرجعه.
615 خبر: وعن الشعبي، عن علي عليه السلام وعبدالله بن مسعود، أنهما أوجبا النفقه للحامل المتوفي عنها زوجها.
616 خبر: وعن ابن عمرو مثله.(1/371)
617 خبر: وعن ابن عباس في قول الله تعالى: ?والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لإزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج?. قال كان الرجل بإذا مات وترك زوجته إعتدت سنه في بيته ينفق عليها من ماله فأنزل الله تعالى: ? والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأننفسهن أربعة أشهرٍ وعشرا?.
دلت هذه الأخبار على وجوب النفقه للمتوفي عنها زوجها مما ترك ما دامت معتده منه. وجه الإستدلال..... ابن عباس أن النفقه لم ُتنسخ في العده وإنما نسخت الأيه العده.
فإن قيل: روي عن ابن عباس، أنه قال: في قوله تعالى: ?متاعا إلى الحول? نسخ ذلك بالميراث.
قلنا: أن يكون نسخ الرايد على أبعه أشهر وعشرا بالميراث.
فإن قيل: ففي الخبر ذكر الحامل فلم جعلتموه عاماً.
قلنا: لإنه لافرق بينهما والخبر محمول على أن أمير المؤمنين عليه السلام، سئل عن المتوفي زوجها الحامل في امرأة بعينها. فأجاب فيها هذا الجواب. ولم يسأل عن الحائل فرواه الراوي في الحامل ولافرق بين الحامل والحابل وبه قال إبراهيم، والزهري، وسفيان، وابن أبي ليلى، وذهب عآمة الفقهاء إلى أنها لانفقة لها. وقد قدمنا الإحتجاج ولإنها ممنوعه بسببه من الأزواج.(1/372)
من باب نفقة المعسر على قريبه المؤسر
618 خبر: وعن النبي صلى الله عليه، أنه قال: أنت ومالك لإبيك.
دل على أن للإب أن يتصرف في مال ابنه بحسب حاجته إليه أو طلب الصلاح ولاخلاف أنه ممنوع عما زاد على حاجته، وإذا كان ذلك كذلك فنفقة الوالدين إذا كانا معسرين لازمه في مال ولدهما وسواء كانا كافرين أو مسلمين وكان الولد صغيراً /193 / أو كبيراً، ذكراً أو أنثى، ويدل على ذلك قول الله تعالى: ?ووصينا الإنسان بوالديه حسنا?، ومن الإحسان إليهما النفقه عليهما وقول الله تعالى: ?وإن جاهداك على أن تشرك بي ماليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً? فدل على لزوم نفقتهما إذا كانا معسرين وكان ولدهما موسراً وهذا خاص في الوالدين فأما سائر الأقارب فلا يلزم مسلماً لكافر نفقه، ويدل على ذلك قول اله تعالى: ?لاتضآر والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك? دلت هذه الأيه على النهي عن المضآره وعلى وجوب النفقه للولد والوالد والوالده بشرط الإعتبار على الموسر. ودلت على وجوب النفقه على الوارث. ودلت على أن الكافر لانفقة له على المسلم إلا الوالدين ولاخلاف في وجوب نفقة الوالدين إذا كانا معسرين على ولدهما الموسر مسلمين كانا أو كافرين، إلا أن الشافعي قال: في أحد قوليه إذا كانا صحيحين لم تجب لهما نفقه.
619 خبر: وعن عطاء وإبراهيم أن تأويل قوله تعالى: ?وعلى الوارث مثل ذلك? المراد به أن الوارث منهي عن الإضرار بقريبه ولا مضارة تخص في هذا إلا تركة الإنفاق.
فدل على وجوب النفقة على المؤسر لقريبه المعسر.
وقلنا لقريبه لأنه لا خلاف في أن الزوجة وولي النعمة لا تجب عليهما النفقة، وإن كانا وارثين، والإجماع كاف. وقال أبو حنيفة: تجب النفقة على كل ذي رحم محرم إذا كان من أهل الميراث، والشافعي: قصرها على الولادة فقط.(1/373)
وحكى عن الناصر عليه السلام مثل قول الشافعي واعتبر أبو حنيفة أن يكون المنفق عليه مع......... أو زمنا أو أنثى.
وحكى عن الأوزاعي: أنها على العصبة دون النساء.
وحكى عن ابن أبي ليلى، وأبي ثور أنها يلزم كل وارث بحسب، وهو قول الحسن بن صالح، وإسحاق، وأحمد.
وجه قولنا، ما تقدم ولا فرق بين الأخ وغيره من الأ,لاد إذا كان وارثا، وأيضا فإن ابن العميرث وليس بذي رحم محرم والحال لا يرث وهو ذو رحم محرم فاقتضى قول أبي حنيفة وأصحابه خلاف ظاهر الآية، فإن قيل روي عن رسول الله صلى الله عليه أنه قال: ((لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيبة من نفسه)) وروي عنه صلى الله عليه أنه قال: ((ليس في المال حق سوى الزكاة)) قلنا هذا الخبر لا يخص موضع الخلاف ولا خلاف أن نفقة الوالدين المعسرين السقيمين في المال حق فكذلك سائر الحقوق.
وقال يحيى عليه السلام في الأحكام: وإذا كان للمعسر أخوان أحدهما مؤسر والأخر معسر حكم بنفقته على أخيه المؤسر. وقال في المنتخب: يحكم على المؤسر بنصف نفقته.
وجه قوله في الأحكام أن الإيسار شرط في وجوب النفقة كالإرث والنسب فلما زال هذا الشرط عن المعسر صار كالمعدوم فصار كأنه ليس له غير هذا الأخر فوجب/194/ عليه إتمام النفقة وصار الأخر الآخر كالمحجوب في سقوط النفقة عنه.
وجه قوله في المتخب أن الأخوين لوكانا مؤسرين للزم كل واحد منهما نصف النفقة، فكذلك إذا كان أحدهما معسرا.
فإن قيل: فإنه يجب عليه دفع الضرر.(1/374)
قلنا: لا يجب أن يراعي دفع الضرر في كل وجه، إلا ترى أن المعسر إذا كان له ابن معسر وأخ مؤسر، أن النفقة تسقط عن كل واحد منهما، فكذلك إذا كان غير وارث لبعض أرثه، قال: ولو كان له ابنان، أحدهما مؤسر، والأخر معسر، حكم بنفقته على ابنه المؤسر في الروايتين جميعاً وذلك لإن للوالدين مزيّه ليست لغيرهما من الأقارب ألا ترى أن نفقتهما واجبه، وإن كانا كافرين وقد قال الله تعالى: ?ووصينا الإنسان بوالديه حسنا? وقول المؤيد بالله والمتوكل على الله سلام الله عليه، وعلى آبائه الطاهرين، والمعمول عليه أن على أخيه الموسر ثلاثه أرباع النفقه ويسقط الربع لإن النصف الذي على الموسر فجمع عليه والنصف الأخر مختلف فيه فقسم نصفين فنصف على الموسر ونصف يسقط قياساً على مدعيين الشئ وليس معهما بينه فإنه يقسم نصفين وقياساً أيضا على رجلين إدعيا مالا في يد غيرهما فأدعى أحدهما الكل والأخر النصف أنه يحكم لمدعي الكل بثلاثه أرباع.(1/375)