قلنا: وعندنا أن من كثر شكه يبني على اليقين وهو الأقل كما قالوا، وهو معنى قول القاسم عليه السلام: من ابتلي بكثرة الشك في صلاته مضى فيها ولم يلتفت إلى عارض شكه. وإنما جاز له ذلك لكثرة شكه، ولأن الشك قد صار له عادة فتعذر عليه اليقين وغالب الظن، فأما من شك وتعذر عليه التحري ولم يصر ذلك له عادة فإنه يستأنف الصلاة، ومن شك وأمكنه التحري وغلب ظنه على شيء وفعله فعليه سجدتا السهو. وقد أجزت صلاته، لأن العبادات مبنية على العلم، وغالب الظن كتحري القبلة والطهور وصيام الأسير إذا اشتكل ذلك، ولأن المصلي أخذ عليه ترك الزيادة كما أخذ عليه ترك النقصان.
476 ـ خبر: وعن النبي صلى الله عليه أنه قال: (( دع مايريبك إلى مالايريبك )).
477 ـ خبر: وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قام في الركعتين ونسي أن يقعد فمضى في قيامه ثم سجد سجدتي السهو.
478 ـ خبر: وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (( ليس على من خلف الإمام سهو فإن سهى الإمام فعليه وعلى من خلفه السهو )).
قلنا: ومعنى هذا الخبر أن المؤتم إذا شك فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً فإنه يتبع الإمام ولاسهو عليه، فأما إذا سهى سهواً يخصه كأن يسبح في موضع قراءة يخافت بها، أو يقرأ في موضع تسبيح وموضعه الركوع والسجود فإن عليه سجدتي السهو، للأخبار المتقدمة: (( لكل سهو سجدتان بعدما يسلم )) وذلك عام في الإمام والمؤتم والمنفرد.
479 ـ خبر: وعن عبدالله بن مالك أنه أبصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قام في الركعتين الأولتين ونسي أن يقعد، فمضى في قيامه ثم سجد سجدتين بعد الفراغ من صلاته.(1/101)
واستدل مخالفونا بما روي عن معاوية، عن النبي صلى الله عليه أنه سجدهما قبل التسليم، ومعاوية عندنا لايعمل على حديثه لسقوط عدالته، وإن صح الحديث فمعناه أنه سجد قبل تسليم سجدتي السهو لاقبل تسليم الصلاة، والأخبار تدل على أن سجدتي السهو والتسليم فرض، والتشهد فيهما مستحباً لأن في حديث /48/ ابن مسعود ذكر التشهد، وفي بعض الأخبار ليس فيه ذكر التشهد، فدل على أنه مستحب، وأما التسليم فمن قوله: (( تحليلها التسليم ))، وللسجدتين إحرام كإحرام الصلاة لأنهما جبر لها وفي جميع الأخبار ذكر التسليم فصح أنه فرض.
480 ـ خبر: وعن علي عليه السلام قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الظهر خمس ركعات، فاستقبل القبلة وكبر وهو جالس وسجد سجدتين ليس فيهما قراءة ولاركوع ثم سلم.(1/102)
من باب قضاء الصلاة
481 ـ خبر: وعن علي عليه السلام قال: أتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقيل له عبدالله بن رواحة ثقيل، فأتاه وهو مغمى عليه، فقال عبدالله بن رواحة: يارسول الله أغمي علي ثلاثة أيام فكيف أصنع بالصلاة؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( صل صلاة يومك الذي أفقت فيه، فإنه يجزيك )).
واستدل من رأى القضاء بما روي عن عمار أنه أغمي عليه يوماً وليلة فقضى الصلاة، وفي بعض الأخبار أنه أغمي عليه ثلاثة أيام ولياليها فقضى، وعندنا أنه قضى على الاستحباب، لأنه غير مخاطب بالصلاة وقت الاغماء، ولأن المومي إذ تعذر عليه القيام والركوع لايجب عليه القضاء.
482 ـ خبر: وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (( من ترك صلاة أو نسيها أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها )).
483 ـ خبر: وعن سمرة أنه كتب إلى بنيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمرهم إذا اشتغل أحد عن الصلاة أو نسيها حتى يذهب حينها الذي تصلى فيه أن يصليها مع التي تليها من الصلاة المكتوبة.
484 ـ خبر: وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لعمرو بن العاص: (( الإسلام يجب ماقبله )).
ذهب قوم إلى أن المرتد يجب عليه قضاء الصلاة، واستدلوا بقوله: (( من ترك صلاة أو نسيها.. )) الخبر، وبما روي عن أببي بكر أنه قال بحضرة المهاجرين والأنصار في أهل الردة: لو منعوني عقالا مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقاتلتهم عليه. وقالوا: إن هذا يدل على وجوب الزكاة على المرتد وكذلك الصلاة.
قلنا: أما قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( من ترك صلاة أو نسيها.. )) فذلك خطاب للمؤمنين، ولو وجب القضاء بهذا الخبر على المرتد لوجب على جميع الكفار، وقد أجمع المسلمون على أن أهل الذمة لايجب عليهم القضاء، فكذلك أهل الردة، ونحن نرجح خبرنا بقول الله تعالى: ?قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ماقد سلف?.(1/103)
485 ـ خبر: وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه فاتته أربع صلوات يوم الخندق حتى كان عند هُويّ من الليل قضاهن على الترتيب.
486 ـ خبر: وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (( من نسي صلاة أو نام عنها فليقضها إذا ذكرها )).
واستدل قوم بهذا /49/ الخبر على وجوب الترتيب في قضاء الفوائت، وعندنا أنه ليس بواجب وهو مستحب كقضاء الزكاة والصيام، إذ ليس في الخبر مايدل على وجوب الترتيب في القضاء، وقول الله تعالى في قضاء الصيام: ?فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر? يدل على أنه لايجب الترتيب في قضاء الصيام فكذلك الصلاة.
486 ـ خبر: وعن أم هاني قالت: دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاستسقى منها شراباً ثم ناولها سؤره، فشربت منه وقالت: يارسول الله إني كنت صائمة ولكني كرهت أن أرد سؤرك. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (( إن كان قضاء من شهر رمضان فصومي يوماً مكانه، وإن كان تطوعاً فإن شئت فاقضي وإن شئت فلاتقضي )).
وهذا يدل على أن من دخل في صلاة تطوعاً ثم أفسدها أنه لايجب عليه قضاؤها.
487 ـ خبر: وعن أم هاني أن رسول ا لله صلى الله عليه وآله وسلم دخل عليها يوم الفتح فأتي بإناء فشرب ثم ناولني، فقلت: إني صائمة. فقال: (( إن المتطوع أمير نفسه، فإن شئت فصومي وإن شئت فافطري ))، وفي بعض الأخبار: عن أم هاني قالت: أتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشراب يوم فتح مكة فناولني فشربت وكنت صائمة، فكرهت أن أرد فضل سؤره، فقلت: يارسول الله إني كنت صائمة. فقال: (( أتقضين عنك شيئاً )) ؟ قالت: لا. قال: (( لابأس )).(1/104)
دل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( لابأس )) على أنه لا إثم عليها ولا قضاء، لأنه لو كان يلزمها القضاء لعرفها به. واستدل من رأى وجوب القضاء بما روي عن ابن شهاب عن عروة، عن عائشة قالت: أصبحت أنا وحفصة متطوعتين فأهدي لنا طعام، فأفطرنا عليه، فدخل علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسألناه، فقال: (( اقضيا يوماً مكانه )). وهذا فيه ضعف لأنه روي عن ابن جريج قال: قلت لابن شهاب: أحدثك عروة عن عائشة عن النبي صل الله عليه وآله وسلم: (( من أفطر تطوعه فليقضه )) ؟ فقال: لم أسمع من عروة في ذلك شيئاً، ولكني حُدثت عن عائشة بغير هذا السند. وإن صح هذا الحديث فهو محمول على أنه ندب ؛ لأن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (( صلوا خمسكم وصوموا شهركم )). يدل على أنه لايجب قضاء التطوع.(1/105)