فإن قيل: روي عن النبي صلى الله عليه وأهله أنه قال في شأن هلال بن أمية حين لاعن بينه وبين امرأته وفرق بينهما: ((إن أتت بولد على صفة كذا فهو لهلال بن أمية وإن جاءت بهه على صفة كذا فهو لشريك بن سمحاء فجاءت به على الصفة المكروهة فقال: ((لولا ما سبق من كتاب الله لكان لي ولها شأن)) فدل صلى الله عليه وأهله على صدق هلال وكذب امرأته ولم يرفع الفربة الواقعة لعدم علمه بصدق الصادق منهما.
قلنا: ليس في هذا حجة علينا لئن النبي صلى الله عليه وأهله أوقع الفرقة بينهما لم يكن قبل إيقاعها لئن الله تعالى أوجبها بعد كمال اللعان ألا ترى أنهما لو تصادقا بعد وقوع الفرقة لم يجب رفعها ولأنه كان معلوما كذب أحدهما لا بعينه.
فإن قيل: روي عن علي عليه السلام في امرأة ادعى رجل أنها زوجته فترافعا إليه وشهد للرجل شهود فقال: المرأة لعلي عليه السلام: إني لم أتزوجه وسألته أيضاح العقد بينهما. فقال علي عليه السلام شاهداك زوجاك.
قلنا: المراد بالخبر أنهما/143/ كانا سببا لكون الزوجية في الظاهر.
661 خبر: وعن قتادة في قول الله تعالى: ?إن مع العسر يسرى إن مع العسر يسرى? أنه قال بلغنا أن النبي صلى الله عليه وأهله بشر أصحابه بهذا الأية فقال: ((لن يغلب عسر يسرين)).
662 خبر: وعن الحسن قال: بلغنا أن هذا الأية لما نزلت قال النبي صلى الله عليه وعلى أهله: ((أتاكم اليسر)) قال: فكانوا يقولون لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين.
دل على أن الشيء إذا كرر بلفظ المعرفة اقتضى شيئا واحدا وإن كرر بلفظ النكرة اقتضى شيئين اثنين وعلى هذا إذا ادعى رجل على رجل عشرين دينارا وأتى بشاهدين فشهدا على إقراره له بعشرة دراهم في موضع وأتى بشاهدين آخرين فشهدا على أقراره له بعشرة في موضع آخر يلزمه له عشرون دينارا.(1/651)


وبهذا قال يحيى عليه السلام في المنتخب. وقال في الفنون: يكون ذلك عشرة واحدة ألا أن يقيم المدعي البينة إن كل واحدة منهما غير صاحبها. ووجه هذا القول أنه لما احتمل أن يكون العشرة التي أقر بها في موضع هي العشرة التي أقر بها في الموضع الثاني واحتمل أن يكون غيرها صارت العشرة الثانية مشكوكا فيها فوجب على الحاكم أن يحكم باليقين وهو عشرة ولا خلاف في أن شهادة يتعلق بالحسبة فأما الشهادة في الحقوق فلا يسمع إذا أنكرها المشهود له.
قال يحيى عليه السلام وإذا قال الشاهد: كنت عرفت هذا الشيء لفلان لم يكن ذلك شهادة وإنما تكون شهادة إذا قال: أشهد أنه كان له ولم يخرج عن ملكه بوجه من الوجوه. قال السيد المؤيد بالله قدس الله روحه لم يجعل الأول شهادة لوجهين أحدهما أن الشاهد لابد له من لفظ الشهادة وإن قال عرفت ولم يلفظ بالشهادة والثاني. وبه قال: كنت عرفت ولم يكن في كلامه شادة بأن الشيء في الحال له فلم يكن مسموعه لئن الشيء قد يكون للإنسان ثم ينتقل إلى غيره فلا بد من أن يتضمن شهادته أنه له في الحال.
663 خبر: وعن علي عليه السلام أنه حلف الشهود ولا خلاف أن الحاكم يجوز أن يحلف الشهود أن يرى ذلك احتياطا.
664 خبر: وعن علي عليه السلام قبول شهادة الصبيان بعضهم على بعض فيما بينهم من الشحاح ما لم يتفرقوا فإذا تفرقوا لم يجز. وبه قال يحيى عليه السلام وبه قال مالك. وحكى عن ابنأبي لليلى من غير تفصيل ومنع أبو حنيفة وأصحابه والشافعي قبولها. قال المؤيد بالله قدس الله روحه: اعلم أن قبول الشهادات مبني على حسب الضرورات ألا ترى أن الحدود لما لم تكن فيها ضرورة لم تقبل فيها إلا شهادة الرجال إلى أخر الفصل. قال: والعدل من ظن به الإستقامة ولا خلاف في أن الحاكم يجب عليه أن يبحث عن عدالة الشهود، إلا ما حكي عن أبي حنيفة فإنه كان يقول المسلمون كلهم عدول.(1/652)


665 خبر: وعن النبي صلى الله عليه وأهله أنه قال: ((خير امتي القرى الذين بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم يشهدون ولا يستشهدون وينذرون ولا يوفون)).
دل على خلاف ما ذهب إليه أبو حنيفة لأنه كان في القرن الثالث.
666 خبر: وعن ابن مسعود أنه قال: ما علمت أن في أصحاب رسول الله صلى الله عليه/144/ وأهله من يريد الدنيا حتى نزلت هذه الأية: ?منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة)).
دل أيضا على خلاف قولأبي حنيفة.
فإن قيل: قوله يشهدون ولا يستشهدون بحالف قول ألهادي عليه السلام فيمن قال لرجل لا تشهد علي بما تسمعه مني ثم يقر الآخر بحق جار له أن تشهد عليه، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه لأنهم يجيزون شهادة........... وهذا في معناه. وعن مالك أنه أجازه في القذف والطلاق وحكى عنه أنه منع عن ذلك في المعاملات وشبهها وعن ابن شبرمة أنه يجيز ذلك.
قلنا: المراد بقول النبي صلى الله عليه وأهله أنهم يشهدون من غير أن يعلموا ويحتمل أيضا أنهم لا يستشهدون لفسقهم وما بطن من سوء حألهم.
فإن قيل: قد روي ((ثم يجيء قوم فتسبق شهادة أحدهم يمينة ويمينة شهادته.
قيل: المراد به أنهم يستهينون بالشهادات والأيمان من غير تثبيت وتورع.
وجه قولنا: قول الله تعالى: ?وأقيموا الشهادة لله? وقال: ?ومن يكتمها فإنه آثم قلبه? فكل ذلك يوجب أن من علم شيئا وكان في كتمانه ضرر وظلم يلحق أحدا من الناس لا يجوز كتمانه.(1/653)


من باب الوكالة
667 خبر: وعن حكيم بن حزام قال: أن النبي صلى الله عليه وأهله أمرني أن أقضي رجلا يكره.
668 خبر: وعن زيد بن علي عن أبائه عن علي عليهم السلام أنه وكل الخصومة إلى عبدالله بن جعفر وقال ما قضى له علي وما قضي عليه فعلي وقد كان قبل ذلك وكل الخصومة إلى عقيل بنأبي طالب حتى توفي إلى رحمة الله ورضوانه ولا خلاف في هذه الجملة ولا في أنه مالزم الوكيل لزم الموكل في البيع والشرى خاصة وما جرى مجرى ذلك من الإقرار ونحوه وعلى هذا لا يراعى رضى الخصم إذا أراد صاحبه أن يوكل من يخاصمه وذلك لئن أمير المؤمنين عليه السلام وكل عقيلا وجعفرا يغير رضى خصومه في جميع خصومته ولملم يوكلهما في شيء معين ولم يخالفه أحد من الصحابة وبه قال أبو يوسف ومحمد والشافعي وعليه دل كلام يحيى عليه السلام في الفنون وقال أبو حنيفة لا يوكل إلابرضى الخصم والأصل الخبر ولأنه لو كان كما قال للحق الضعيف الضررة من القوي ولا خلاف في أن الوكيل...... له أن يوكل إلا أن يكون الموكل إذن له في ذلك ولا خلاف في أن للموكل أن يعزل الوكيل متى شاء ذلك0 وعلى هذا أنه لا يكون معزولا حتى يبلغه علم العزل في البيع والشراء........... الدين وما جرى مجراه وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وهو أحد قولي......... وبه قال بعض الإمامية ووجهه أنه بمنزلة أوامر الله تعالى ونواهيه في أن أحكامها تتعلق بنا بأن نعرفها دون وجودها في دوائها وما كان لا يتعلق بالوكيل كالنكاح والطلاق والعتق والصلح عن دم العمد فإنه يكون معزولا حتى عزله الموكل وإن لم يبلغه ذلك وما كان يتعلق بالوكيل كالبيع والشراء والإجازه والإقأله وألهبه على العوض فلا يكون معزولا حتى يبلغه خبر العزل الذي يغلب على/145 /الذي فيه صدقه ومثله الخبر بالشفعه وألهديه والأذن في دخول الدار ولا خلاف في أنه إذا وكل وكليلين في بيع شئ أو شراءه وقال: لكل واحد منهما قد وكليك أن لكل واحد منهما أن ينفذ ما وكلا فيه(1/654)


مجمعين أو منفردين إلا في الطلاق والعتاق فإنه لم يرض بأحدهما دون الآخر فأما في البيع والشراء ونحو ذلك بإطلاقة القول قد وكليكما يقتضي أن كل واحد منهما وكيل مجمعين ومنفردين وسبيل النكاح والشفعه سبيل البيع والشراء وكره السيد المؤيد بالله قدس الله روحه في الشرح والعرق من الوجهين أن عرض الموكل أن لا يفوته البيع والشراء في الجمع بين الوكيلين وقد يتفق مرادة لواحد ويعتذر على واحد منهما وكذلك أن وكلهما وكأله مهمه عندنا وذهب أبو حنيفه وأصحابه إلى أنه لا يجوز الإنفراد بذلك لأحد الوكيلين ولا خلاف في أنه لو وكله بشراء شئ فاشتراه فباعه بأقل من قيمته بما لا يتغابن الناس بمثله أن البيع لا يصح وبه قال أبو يوسف ومحمد والشافعي وقال أبو حنيفه: هو جائز ووجه ما قلناه أنه إذا وكله ببيع شئ أو شرائه بثمن معلوم فخالفه أن ذلك غير جائز فكذلك إذا باع أو اشترى بما لا يتغابن الناس بمثله والعله أنه مخالف للموكل.(1/655)

131 / 152
ع
En
A+
A-