دل على أنه يجوز للإمام أن يستعين بالخالفين على الفجرة المبائنين، واشترط الهادي إلى الحق عليه السلام، جوازه إن كانت مع الإمام طائفة من المؤمنين، وجرت عليهم أحكام اللّه، وأقيمت فيهم حدوده، وروى ذلك عن جده القاسم عليه السلام، وروي النيروسي، عن القاسم جواز الإستعانة بالمشركين، والوجه في ذلك، أن الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر فرض على البر والفاجر، والإستعاانة بهم حث لهم على أداء الاحبات، والدليل على أن الواحبات تلزم المسلم والكفار، قول اللّه تعالى: {وويل للمشركين الذي لا يؤتون الزكاة} قال اللّه تعالى، فيما حكى عن الكفار إذا صاروا إلى النار: {قالوا لم نك من المصلين} فدل على أنهم يعذبون على إضاعة الصلاة، وأيضاً في الإستعانة بهم توهين للأعداء، وبقوته للمؤمنين، وإنما اشترط يحيى عليه السلام إنقيادهم لأحكام الله، وللحدود لأنهم إذا امتنعوا من ذلك لزم الإمام محاربتهم، فلا يصح مع الإستعانة بهم مع جواز بهم، والمراد بهذا أنه إذا كان الأظهر والأفلب في ظن الإمام أنهم يفون بما عقد، ولأنه قد حدث ممن استعان به أمير المؤمنين عليه السلام في لآخر أيام صفين من قلة الوفاء والنكث، وقلة الإنقياد لأحكام اللّه ما بقي فساده في الإسلام إلى يومنا هذا، وإنما للإمام أن يجتهد فيما رأه صلاحاً للإسلام من ذلك فعله، ولا ينفره خلاف من يخالفه من أعوانه، ونكث بيعته وخذله، وأعان عدوه عليه عن القيام بأمر اللّه ما بقي معه فئة يعينونه على أمر اللّه كما فعل أمير المؤمنين عليه السلام، بعد خذلان من خذله، وخلاف من خالفه يوم الحكومة، وما رأى من الأخلاف ولقي من الشدائد خصوصً من أصحابه، فلم يمنععه ذلك عن القيام بأمر اللّه حيث بقي معه/184/ أعوان على ذلك.(8/52)
دل ذلك أنه لايجوز للإمام أن ينحى عن الأمة، وهو يحد فيهم جماعة يعينونه على أمر الله، ويأتمرون له، ويجاهدون معه، ولا خلاف في ذلك، فإن لم يحد من يعينه على أمر الله، ويجاهد معه في سبيل اللّه جاز له التنحي عنهم، كما فعل علي عليه السلام، بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وأهله، لما فسد عليه أصحابه، وخذلوه إعتزلهم وخلا بينهم وبين معاوية، وبين الأمر، وكذلك القاسم بن إبراهيم عليه السلام، بريع، واجتمع عليه الخلق، ثم رأى فشلهم وغلب على ظنه أنه لا يمكنه القيام بالأمر كما يحب بهم فاعتزلهم، لأن هذا الأمر لا يتم إلا بالأعوان والأنصار، فإذا لم يكونو سقط وجوبه عن الإمام.
خبر: وعن النبي صلى اللّه عليه وأهله، أنه قتل يوم بدر عقبة بن أبي معتظ أسيرراً، والحرث بن النصر بن الحرث بن كلدة، وقتل المسلمون يؤمئذ أمية بن خلف بعد ما أسره عبدالرحمن بن عوف.
دل على أن أسير أهل دار الحرب يجوز قتله بعد الأسر، وبه قال عامة الفقهاء، وحكي كراهه قتله، عن قوم من المتقدمين، والوجه ما ذكرنا، فأما أسير يكون من أهل البغي، فإنه لا يقتله إلا أن يكون قصاصاً، وللإمام أن يحبسه، أو يعده، أو يعفو عنه، ولا يقتله، إلا أن يظهر منه بعد الأسر مضارة للمسلمين، وعزم على حربهم بعد خروجه، أو وعيد لهم، فإنه يجوز قتله، إذا كانت له فيه يرجع إليهم، وكذلك الخرج والجاسوس، إذا أخذ، قال المؤيد بالله قدس اللّه روحه: معنى قول يحيى عليه السلام، إذا كانت الحرب قائمة بريد، إذا كانت له فئه، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه.
خبر: وعن علي عليه السلام، أنه لما حممل إليه ابن البثرني أسيراً يو الجمل، قال له: يا أمير المؤمنين، اسقني، قال له: ... ماء قبلت ثلاثة من أصحابي، وأمر بقتله.(8/53)
دل على أن أهل النعي إذا أخذوا لم يسقط عنهم القصاص للمسلمين، وهو أحد قولي الشافعي، وقال في قوله الثاني: لا يطالبون بشيء، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، والأصل في ذلك ما ورد في القصاص من الأيات والروايات، وذلك عام في جميع الناس، إلا ما خصه الدليل من أمر الكفار، وقد يقدم.
فإن قيل: روي عن الزهري، قال: وقعت الفتنة، وأصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وأهله منوا فرون، فأجمعوا على أن كل دم أريق على وجه التأويل أو مال أتلف على وجه التأويل أنه هدر.
قلنا: يحتمل أن يراد به التأويل الصحيح الذي يكون المتأويل، وقد أدى ما عليه من التكليف في الإجتهاد، وإن يكون للإجتهاد في مشرع، فأما تأويل أهل النعي، فإنه فاسد لا يسرعه الذين كتأويل الخارجي في قتل السل غيلة.(8/54)
خبر: وعن زيد بن علي، عن أبائه، عن علي عليهم السلام، قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وأهله، إذا بعث جيشاً من المسلمين بعث عليهم أميراً، ثم قال: <إنطلقوا باسم الله، وبالله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول اللّه ، أنتم حمداً لله تقاتلون من كفر بالله، أدعوا إلى شهادة إلا إله إلا الله/185/ وأن محمداً رسول الله، والإقار بما جاء به محمد من عندالله، فإن أمنوا فإخوانكمم لم ما لكم وعليهم ماعليكم، وإن هم أبوا فناصبوهم حرباً، واستعينوا بالله عليهم، فإن أطهركم اللّه عليهم فلا تقتلوا امرأة، ولا وليداً، ولا شيخاً كبيرا، لا يطيق قتالكمم، ولا تغوروا عينا، ولا تقطعوا شجراً الأشجر بضربكم، ولا تمثلوا بأدمي، ولا بهيمة، ولا تظلموا ولا تعتدوا، وإيما رجل من أفضالكم، أو أدناكم، أو أجراركم، أو عبيدكم أعطي رجلا منهم، أماناً، أو أشار إليه بيده، فأقبل إليه بإشارته فله الأمام حتى يسمع كلام الله.فإن قيل: فإخوانكم في الدين، وإن أبى فردوه إلى م مأمنه، واستععينوا بالله لا تعطوا القوم ذمتي ولا ذمة اللّه بالمجفر ذمة اللّه يمعنى اللّه عز وجل، وهو عليه غضبان أعطوهم ذممكم وذمم أبائكم، وفوالهم، فإن أحفر أحدكم ذمته، أوذمة أبيهن فذلك، ولا يحفر ذمة الله، ولا ذمة رسوله>.
من باب محاربة أهل الحرب.
خبر: قال يحيى بن الحسين عليهما السلام: لا يجوز قتال أهل الحرب، إلا مع إمام محق، أومن يلي من قتله.
قال أبو العباس الحسني رحمه اللّه تعالى: ذلك في قصدهم ألى ديارهم، وغزوهم حيث هم، وذهب عامة العلماء إلى انه جائز مع غير إمام أو مر يلي من قبله، وبه قال المؤيد بالله قدس اللّه روحه: وجه قول يحيى عليه السلام، قول اللّه تعالى: {قل للمخلقين من الأعراب ستدعون إلى قومٍ أولي ببأس شديد .. الأية}.(8/55)
فدل على أن غزو الكفار، والخروج إليهم بأمر الداععي، وقد أجمع المفسرون على أن الداعي هو النبي صلى اللّه عليه وأهله، وقال قوم ممن أنكر إمامة عمر: المراد به فارس والروم. قالوا لأن الداعي إلى قتالهم إنما كان عمر، فيجب أن يكون إماماً لأن الداعي لا بد أن يكون إماماً. وقال قوم أنكروا ذلك: المراد به هو.. والداعي هو النبي صلى اللّه عليه وأهله، وقال قوم ممن أنكر إمامة عمر: المراد به الجمل وصفين، والداعي هو أمير المؤمنين عليه السلام، فأجمعوا على أن الداعي هو النبي صلى اللّه عليه، والإمام بعده، وقد بيّت أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وأهله، لم يأمبر جيشاً، ولا سرية بقتال الكفار، إلا ويؤمّر عليهم أميراً.
فدل ذلك على أن قتال الكفار الكفار وغزوهم إلى ديارهم، لا يكون إلا بإمام، أو من يلي من قتله.
ووجه ما قاله المؤيد بالله قدس اللّه روجه ما رواه زيد بن علي، عن أبائه، عن علي عليهم السلام، أنه قال: لا يفسد الحج والجهاد حور حائر كما لا يفسد الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر عليه، أهل الفسق، فهذا كالتثنية على جواز قصدهم في ديارهم مع أهل الظلم كالحج، قال: والإمام ليس يشرط فيه كما أن الحج لا يكون الإمام شرطاً فيه، ذلك أن تفاصيل الغزو لا يحتاج إلى الإمام، لأن ذلك إما أن يكون دخول دار الحرب، أو أراقة دمائهم، أو أخذ أموالهم، أو سبي ذراريهم، وكل واحد لا خلاف/186/في أنه يصح لغير إمام كالحج وأيضا قد ثبت عن أقوام صالحين أنهم غزوا مع العقد ولم يحفظ عن أحد من السلف إنكار ذلك.
خبر: وعن حميد الطويل، عن أنس، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وأهله، قال: <أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه، فإذا شهدوا ألا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها لهم ما للمسلمين وعامهم ما عليهم >.(8/56)