وقال سبحانه:{وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} [الكهف: 49].
فيا سبحان الله !! ما أجهل من نسب ورضي لربه؛ مالا يرضاه وما لا ينسبه إلى نفسه؛ من تكليف العباد ما لا يطاق، ثُمَّ رضي ذلك؛ ونسبه إلى الواحد الخلاق، فكان كما قال الله جل جلاله وتقدست أسماؤه: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيْمٌ} [الزخرف: 17]، فأخبر سبحانه أنهم كانوا ينسبون إلى الله اتخاذ البنات، ولا يرضون بهن لأنفسهم ولا يحبون الإناث، بل إذا رزق أحدهم بما رضيه لربه؛ بانت الكراهية منه له في وجهه. فشابهوهم في فعلهم، واحتذوا في ذلك بقولهم؛ فقالوا: إن الله يكلف عباده ما لا يطيقون فعله، ويعاقبهم على ترك ما لم يقدرهم على صنعه، وهم ينفونه عن أنفسهم، ويبرئون منه أخس(1) عبيدهم، فسبحان من أمهلهم، وتفضل بالإنظار لهم.
ثُمَّ قال: ما يدريكم إن كان الملائكة مستطيعين، ولما يشاءون من الأعمال متخيرين، وعلى العمل والترك قادرين(2)؟ لعلهم قد تركوا بعض ما به أمروا، وقصروا في أداء بعض الوحي، وفرطوا في نصر النبي والمؤمنين، وفي غير ذلك مما أمرهم به رب العالمين.
__________
(1) في (أ): أخيْرَ عبيدهم.
(2) في (ط): مستطيعون، متخيرون، قادرون، بالرفع، وهو خطأ.(1/491)


فقولنا في ذلك له: إنا علمنا براءتهم صلوات الله عليهم، وإنفاذهم لكل ما أمرهم به ربهم ـ على ما أمرهم به، غير مفرطين في شيء منه ـ بقوله سبحانه فيهم، وثنائه بما أثنى به عليهم؛ من ترك التفريط في أمره، والاستقصاء في كل إرادته، والتقديس له والتسبيح في الليل والنهار، وذلك قول الواحد الجبار: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُوْنَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ* يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} [الأنبياء: 19ـ20]. وفي ترك التفريط فيما أمرهم به رب العالمين؛ ما يقول سبحانه في القرآن المبين: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُوْنَ} [الأنعام: 61]، ويقول تبارك وتعالى فيهم، ويثني بما يعلم من أفعالهم عليهم؛ حين يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا قُوْا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6]، وفي ذلك ما يقول سبحانه ويحكي عن المبطلين؛ بما قالوا في الله رب العالمين، حين يقول: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ* لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} [الأنبياء: 26ـ27]، فوجدناه تبارك وتعالى يذكر الاجتهاد منهم له عنهم، فقلنا فيهم بما قاله ربنا وربهم. فتعالى أصدق الصادقين؛ عن مقالة الفسقة الجاهلين.(1/492)


ومن الدليل على معرفة إحقاقهم(1)، والوقوف على محض فعلهم واجتهادهم؛ تولي الله لهم، ومعاداته لمن عاداهم. ألا تسمع كيف يقول، الواحد ذو الجلال والطول: {مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيْلَ وَمِيْكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِيْنَ} [البقرة: 98]؟ فذكر سبحانه، وجل عن كل شأن شأنه؛ أنَّه عدو لمن عاداهم، وإذا صحت العداوة والمناصاة منه لمن ناصاهم(2)؛ فقد ثبتت منه الولاية بلا شك لمن والاهم. ألا تسمع كيف جعل من عاداهم فاجراً؟ وسماه في واضح التنزيل كافراً؟ حين يقول في آخر الآية جل جلاله، عن أن يحويه قول أو يناله: {فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِيْنَ}، ولن يوالي أبداً من كان في أمره مقصراً، ولن يشهد بالوفاء لمن كان عنده سبحانه غادراً. فبهذا ومثله من تنزيله؛ مما قد ذكره وبينه في وحيه وقيله؛ شهدنا للملائكة المقربين؛ بالاجتهاد في الطاعة لرب العالمين.
ثُمَّ قال تغليظاً لمن كان معه على رأيه من أهل الجهالة، وذوي الحيرة والتكمه والضلالة: يسأل من أثبت في الخلق(3) الاستطاعة، فيقال لهم: هل يثيب الله خلقه على ما عملوا من الطاعة، مما لم يجعل لهم السبيل إلى تركه؟ (ثم قال) (4): وهل يعاقبهم على ما عملوا به من معصيته؟.
__________
(1) في (ط): حقائقهم.
(2) في (ط): والمقاضاة منه لمن ناضاهم. ولعله تصحيف ما أثبت. والمناصاة: المفارقة، ناص عنه: تنحَّى وفارقه.
(3) في (ط): الحق، وهو سهو.
(4) ليس في (أ،ب).(1/493)


فبين بهذه الكلمات الآخرات في المعصية؛ على ما تكلم به في كلمات الطاعة؛ من فظيع ما جاء به من الكفر في قوله، والتظليم لله ربه، وبين جهله لتُبَّاعه دون غيرهم؛ ممن هو على خلاف رأيه ورأيهم؛ حين يقول: هل يثيب الله خلقه على ما عملوا به من الطاعة مما لم يجعل لهم السبيل إلى تركه؟، ثُمَّ قال: وهل يعاقبهم على ما عملوا به من المعصية؟ فبين(1) مسألته الثانية في المعصية، ولم يتمها كما أتم المسألة في الطاعة، خوفاً من أن يشهد وينطق على نفسه بالكفر والفضيحة، وذلك أنَّه كان يجب عليه أن يتم الثانية كما أتم الأولى؛ فيقول: وهل يعاقبهم على ما عملوا به من معصيته؛ مما لم يجعل لهم السبيل إلى تركه. ولو كان ذلك في الله سبحانه كذلك؛ لكان الله عز وجل المدخل للعاصين في المعصية، المكره لهم عليها، ولو كان ذلك كذلك، تعالى الله عن ذلك؛ لم يكن في الخلق لله عاص، بل كان كلهم في أمر الله نافذاً ماضياً، ولم يكن إبليس عند الله بمذموم، ولا محمد صلى الله عليه وآله بمحمود، ولم تكن الملائكة المقربون؛ بأحمد عند الله من مردة الشياطين، إذ كلٌّ لا سبيل له إلى غير ما يفعل، ولا حيلة له من العمل في غير ما يعمل، لحتم الله وقضائه بذلك عليهم، وإدخالهم بقضائه فيه، وحملهم وجبرهم وقسرهم عليه، فتعالى الله عما يشركون، وتقدس عما يقول فيه المبطلون.
وفي (ب) و(ط): تمت(2) مسائل الحسن بن محمد بن الحنفية في تثبيت الجبر والتشبيه والإلحاد، ورد الهادي إلى الحق أمير المؤمنين يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، ونفى ذلك عن الله سبحانه، وإثبات العدل له والتوحيد، وتصديق الوعد والوعيد، والحمدلله رب العالمين، وصلى الله على محمد خاتم النبيين وعلى آله الطيبين وسلم.
__________
(1) كذا في النسخ، ولعلها: فبتر.
(2) في نسخة(ب،ط) إلى .....(1/494)


قال في (ط): فرغ من تحريره في شهر جمادي الأولى من سنة إحدى وأربعين وألف (1).
الرد على المجبرة القدرية ـ الأول(2)
مما أجاب به صلوات الله عليه ابنه المرتضى لدين الله محمد بن يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم جميعاً
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد لله أحق ما افتتح به رد الجواب، وخوطب به ذووا الألباب، حمداً يوصل إلى جنته، ويوجب المزيد من فضله، وإليه أرغب في الصلاة على محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
سألتَ يا بني أرشدك اللّه ووفقك، وسددك للفهم وعلمك، عما اختلف فيه الناس، وكثر فيه عند أهل الجهالة الالتباس، حتى نسبوا اللّه فيه إلى أقبح الصفات، وبرأوا أنفسهم من ذلك، وصانوها بزعمهم عنه واستقبحوه، وبلغوا أشد ما يكون من الغضب على من نسبهم إلى شيء منه، ورضوا به في العزيز ودعوه به.
فزعموا أن اللّه شاء شيئاً ونهى عنه، وأراد شيئاً ومنع منه، وأنه أرسل رسله إلى جميع خلقه يدعونهم(3) إلى أمر قد منعهم منه، وذكروا من هذا شيئاً وضروباً يكثر شرحها، وأنا مبين لك جميع ذلك، وشارحه في مواضعه، ومحتج لله سبحانه بالبراءة مما نسبوه إليه وسموه به ـ يا بني ـ حتى يصح لك فساد أمرهم، وقبيح لفظهم، بما فيه المنفعة والشفاء، والبرهان والإكتفاء، من كتاب اللّه الفصيح، وبما يصح عند كل ذي لب صحيح.
[شُبه المجبرة]
__________
(1) في (أ): والحمد لله رب العالمين، وصلواته على خير خلقه أجمعين، محمد وآله الطاهرين، الأخيار الصادقين، الأبرار المنتجبين، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً وسلامه. تمَّ وكمل بحمد الله تعالى وعونه وتوفيقه ومنه. قال في الأصل: فرغ من كتابته أول شهر محرم مدخل سنة ست وسبعين وأربعمائه.
(2) هذه الرسالة مما اختصت به (ب)، وقد اعتمدنا فيها على رسائل العدل والتوحيد بتحقيق د/محمد عمارة ورمزنا لها بالحرف: (ط).
(3) في (ط): يدعوهم.(1/495)

99 / 209
ع
En
A+
A-