فعلى المعنى الأول ما يخرج(1) تفسير الآية، لا على المعنى الثاني الذي توهم الحسن بن محمد أن عليه يخرج معناها، ولو كان ذلك كذلك، أو قارب شيئاً من ذلك؛ لكان جميع الخلق لله مطيعين، وفي أمره سبحانه متصرفين، طائعين كانوا أو كارهين، ولو كان كما يقول هو ومن معه من الجاهلين؛ إذاً لما وجد أنبياء الله لله في الأرض عاصين، ولكان الله تبارك وتعالى بإكراهه لهم على طاعته، وإدخالهم قسراً في مرضاته؛ مجتزياً مكتفياً عن نهيهم عن معصيته، ولما احتاج الخلق إلى المرسلين، ولما حذرهم الله مَنْ حذَّر(2) من مردة الجن والعالمين.
__________
(1) ما)) هنا زائدة.
(2) في (ط): ما حذر، ومن حذّر في محل النصب على المفعولية.(1/486)
وأما قوله: {طَوْعاً وَكَرْهاً}، فالمطيع منهم في ذلك هو من أطاع الحجة المركبة فيه، والشاهدة بالحق له وعليه؛ من اللب الذي ينال به التمييز بين كل شيئين، ويثبت له به الرضى والسخط في الحالين، فمن أنصف لبه، وقبل ما أدى إليه معقوله(1) من معرفة ربه؛ كان منصفاً طائعاً، متحرياً للحق خاضعاً. والمكره فهو من كفر وتعدى، وكابر لبه وأبى، وعند عن الحق وأساء، حتى [إذا](2) أدركه البلاء، واشتد عليه الشقاء، ونزلت به النوازل، واغتالته(3) في ذلك الغوائل؛ رجع صاغراً إلى إنصاف لبه، ولجأ فيما ناله إلى ربه، واستسلم وأسلم له. كمن ذكر ذو الجلال؛ ممن تعدى في الغي والمقال؛ حين يقول ويخبر عنهم، ويقص ما كان من أخبارهم، حين يقول ويخبر عن فرعون فقال: {حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيْلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ} [يونس: 90]. ومثل قوله: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِيْنَ لَهُ الدِّيْنَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65]. ومثل قوله: {وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوا رَبَّهُمْ مُنِيْبِيْنَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيْقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُوْنَ} [الروم: 33].
__________
(1) من معاني المعقول: العقل.
(2) زيادة لاستقامة الكلام.
(3) في (ب،ط): واغتال لبه.(1/487)
وأما معنى تحبيب الله عز وجل إلى العباد الإيمان، وتكريهه للكفر والفسوق والعصيان، فهو بما جعل وحكم لمن آمن واتقى من الجنان، والنعيم والجزاء والإحسان، وبما كان يريهم ويشرعه لديهم؛ من نصر المؤمنين والإظهار لحجتهم والاعزاز لدينهم(1). والتكريه منه لما ذكر؛ فهو بما أوجب على فاعل ذلك من العقوبات في الآخرة بالنيران، وفي الدنيا بالقتل والسبي والذل والخذلان، فلما جعل ما جعل من الخير والثواب للمؤمنين، وأعد(2) وحكم بما حكم به من العقاب على الكافرين؛ رغب الراغبون في الثواب وأحبوا(3) له الإيمان وآمنوا، وهاب واتقى وخاف العقاب الخائفون فاتقوا، وكرهوا الكفر والفسوق والعصيان لخوف العقاب فاهتدوا، وزهد(4) أهل الكفر في كفرهم؛ لما يرون من ذلهم وصغارهم، وظهور الحق والمحقين واعتلائهم؛ فتركوا الفسق(5)، ودخلوا في الحق.
فهذا إن شاء الله معنى ما ذكر من ذلك العلي الأعلى، لا ما قال وذهب إليه أهل الإفك على الله وقالوا فيه من الجبر للمخلوقين على ما يكون من أفعالهم، والادخال لهم بالقسر في فاحش أعمالهم؛ من الغي والفجور، والمنكرات والشرور، والحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وسلام على المرسلين.
***
ثُمَّ قال: إن قال قائل: خبرونا عن المشركين الذين لم يسلموا، هل جبروا على الشرك؟ قيل له: إن المشركين لم يريدوا الإسلام فيجبروا على الشرك، ذلك لو أنهم أرادوا الإيمان فأكرهوا على الشرك، كما أراد المشركون الشرك ورضوا به؛ وأراد الله جل ثناؤه أن يهديهم فجبرهم على الهدى وهم كارهون. ثُمَّ قال: فإن قال قائل: فإن لم يكونوا مجبورين ولا مكرهين، فهل يستطيعون ترك الشرك وقبول الهدى، فقل: لا، إن شاء الله.
__________
(1) في (أ): وإظهاره لحجتهم وإعزاز دينهم.
(2) في (ب،ط): وما أعد.
(3) في (ط،ب): وأوجبوا.
(4) في (ط: وزهدوا.
(5) في (ب،ط): الفسوق.(1/488)
فزعم في آخر قوله أنهم لا يستطيعون ترك الشرك وقبول الهدى؛ فأبطل حجته وقوله أولاً، حين يقول: إنهم إنَّما يكونون مجبورين على الشرك لو أرادوا الهدى؛ فمنعوا منه وأدخلوا في الردى، فأثبت بهذا القول لهم الفعل، وأقر أنهم يقدرون على فعل مالا يريد الرحمن؛ حتى يجبرهم على غيره من الشأن؛ لأن الإرادة والنية فعل لصاحبهما، ولذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أن صاحب النية يعطى بها ويثاب فيها وعليها. وإذا صح أن العباد يفعلون ويريدون ما لا يشاء ربهم، حتى يجبرهم على غير ذلك من فعلهم؛ فقد بطل ما يخرصه الحسن بن محمد من زخرف قوله، وثبت وصح ما يقول به أهل المعرفة بالله من العدل بإقراره.
ثُمَّ زعم أن من لم يقدر على ترك الشرك والكفر بربه؛ غير مكره ولا مجبور على ما هو فيه من فعله، وهذا فعين المحال، وأفحش ما يقال به من المقال، وإبطال المعقول، والمكابرة لصحيح العقول. لأن من حيل بينه وبين القيام لسبب من الأسباب؛ فقد جبر على القعود بلا شك ولا ارتياب. وكذلك من أوقدت له نار ثُمَّ ألقي فيها، ومنع من التحرف عنها، وحيل بينه وبين الخروج منها؛ فقد جبر وجبل على الإحتراق فيها. وكذلك الطائر إذا قص جناحاه الخافقان؛ فقد حيل بينه وبين ما يريد من الطيران. وكذلك من لم يجعل فيه من الخلق استطاعة فعل؛ فقد حيل بينه وبينه، لا يشك في ذلك عاقلان، ولا يختلف فيه جاهلان.
***
وأما ما سأل عنه من قوله، وكذبه على ملائكة ربه؛ فقال: خبرونا عن الاستطاعة التي تزعمون أن الله جل ثناؤه جعلها في عباده حجة عليهم، وأنها مركبة فيهم ليعملوا أو يتركوا، هل جعلها في الملائكة المقربين أم لا؟ ثُمَّ قال: فإن قالوا: نعم، قد جعلها فيهم، وامتن بها عليهم؛ فقولوا لهم: فأنتم إذاً لا تدرون عن الملائكة هل بلغت؟! أم لا؟ أم هل أدت ما أمرت بإدائه؟ أم هل قصرت في شيء مما أمرت به؟ إذ تزعمون أنها قادرة على ما تهوى، تاركة لما تشاء.(1/489)
فقولنا في ذلك: إن الله سبحانه ركب الاستطاعة في عباده، وجعلها في جميع خلقه المأمورين المميزين، ومنهم الملائكة المقربون صلوات الله عليهم، ثُمَّ أمرهم ونهاهم؛ من بعد أن أوجد فيهم ما أوجده سبحانه في غيرهم؛ من الاستطاعة الكاملة، والنعمة الشاملة، وأمرهم ونهاهم، ولولا ما ركب فيهم من الاستطاعة لما جرى أمره عليهم. من ذلك قوله: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآَدَمَ} [البقرة: 34، الإسراء: 61، الكهف: 50، طه: 116]، فأمرهم بالسجود من أجله، ولما رأوا مما ابتدع من جليل صنعه، ولعظيم ما فيه من قدرته، إذ خلقه من طين؛ من صلصال من حمأ مسنون، والمسنون فهو ما داخله الأجون(1)، فأسن لذلك وأجن وتغير؛ فصار لما فيه من الأجون حمأ (2) كما ذكر الله مسنوناً، ثُمَّ صوره رجلاً، ثُمَّ نفخ فيه الروح فصار جسماً متكلماً، لحماً وعروقاً وعظاماً ودماً، يقبل ويدبر، ويورد ويصدر، بعد أن كان طيناً لازباً، فسجد الملائكة عليهم السلام، لله المهيمن ذي الإنعام، من أجل ما أحدث في آدم صلى الله عليه من الخلق، وجعله أباً لكل الخلق، فكانوا بإئتمارهم في ذلك لله مطيعين، وعليه مثابين، ولأمر الله مؤدين، ولو لم يكن فيهم استطاعة، ولا ما يقدرون به على السجود من الآلة؛ لم يأمرهم سبحانه بما لا يستطيعون، ولم يكلفهم العدل الجواد مالا يطيقون، لأنَّه أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، وأعدل العادلين. وليس ما ذكر المبطلون، وقال به في الله الضالون؛ من صفات الرحيم، ولا من فعال العزيز العليم، لأن من أمر مأموراً بأن يفعل مفعولاً لا يقدر على فعله؛ كان بلا شك ظالماً له في أمره، وكان قد كلفه في ذلك محالاً، وكان له بذلك غاشماً ظالماً، وليس الله بظلام للعبيد،كما قال في ذلك ذو الجلال الحميد(3):{وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيْدِ} [فصلت: 46]،
__________
(1) في هامش (ط): هو الماء إذا تغير طعمه ولونه وريحه.
(2) سقط من (أ،ب).
(3) في (أ): المجيد.(1/490)