ثُمَّ أتبع ذلك (الحسن بن محمد)(1) المسألة عن قول الله سبحانه في التأييد، وذلك قوله لعيسى بن مريم: {وَآتَيْنَا عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ} [البقرة: 87]، وقوله للمؤمنين: {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِيْنَ} [الصف: 14]، في آيٍ كثيرة، فخص الله من يشاء من خلقه من الأنبياء والمؤمنين، ألا ترى أن الله عز وجل لم يكلهم(2) إلى ما زعمتم أنَّه جعله فيهم من الاستطاعة؟ وهي الحجة زعمتم على جميع خلقه، حتى جاءهم سوى ذلك من أمره، فأيدهم به، فظهروا بتأييده، ورعب عدوهم فغلبوا برعبه، ونصرهم فقهروا بنصره.
ثُمَّ قال فيما من به على المؤمنين، ويعلمهم ما صنع بهم مما لم يصنعه بغيرهم، فقال: {هُوَ الَّذِيْ أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيْمَاناً مَعَ إِيْمَانِهِمْ} [الفتح: 4]، وقال أيضاً: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} [الفتح: 26]،فلم يرض لهم ما زعمتم بما جعل من الاستطاعة حتى جاءهم من أمره وعونه سوى ذلك.
__________
(1) ليس في (أ).
(2) في (أ): لم يكلفهم إلا.(1/471)
وقوله لرسوله: {وَلَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً} [الإسراء: 74ـ75]، وقوله لأصحاب الكهف: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى* وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقُدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً} [الكهف: 14]، فلم يرض لهؤلاء ما جعل فيهم من الإستطاعة التي زعمتم أنها حجة على خلقه، وأنه يحتج عليهم بما أخذوا أمره وركبوا معصيته؛ حتى أتاهم من أمره ما بلغوا به ما يشاء من رحمته وهداه، وكذلك هو يفعل ما يشاء سبحانه وبحمده، يضل من يشاء ولا يسأل عما يفعل والخلق يسألون.
وإن قالوا: أخبرونا عن الأعمال، أمخلوقة هي أم غير مخلوقة؟ فأنتم تزعمون أن الله خلقها؟ فإن قالوا: فكيف نسبها الله إلى خلقه، وجعلهم الذين عملوا وتكلموا؟ فقولوا: ألا ترون أن الله عز وجل قد قال: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً} [النحل: 80]، وقال: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيْلَ تَقِيْكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيْلَ تَقِيْكُمْ بَأْسَكُمْ} [النحل: 81]،وأنتم تعلمون أن الناس هم الذين غزلوا ونسجوا السرابيل، وعملوا الدروع، وبنوا البيوت، واتخذوا المظال(1)، وقد من علينا به، وأخبرنا أنَّه جعله، وذلك أنَّه ألهمنا بمنته(2) أن غزلنا، وهو علمنا(3) ذلك، ونسجنا وعلمنا ما عملنا(4)، وأخبرنا أنَّه قد جعله. فكذلك خلق ما عملنا من طاعة أو معصية ونحن عملناهما جميعاً.
__________
(1) في (أ): الظلال.
(2) في (أ): وكذلك ألهمنا بمنه.
(3) في (ب،ط): عملنا.
(4) في (أ): ما علمنا.(1/472)
وكذلك قال أيضاً: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِيْنٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [إبراهيم: 24]. ألا ترون أن الله سبحانه خلق الثمرة في الشجرة وأخرجها منها، ثُمَّ نسب الخروج منها إليها؟ وقال: {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِيْنٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} وكذلك أعمال العباد خلقها(1)؛ ثُمَّ نسبها إليهم، وأخبر أنهم عملوها.
فإن قالوا: أخبرونا عن العباد، أمجبورون على الأعمال؛ من الإيمان والكفر، والطاعة والمعصية؟ أم لا؟ فقل: منهم من هو مجبور على ذلك، ومنهم من هو غير مجبور، فأما الذين جبروا على الطاعة فمنهم أهل مكة، افتتحها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قسراً، فأسلموا كرهاً، ولو لم يسلموا قتلهم، واستحل دماءهم وأموالهم، فهذا وجه القسر والجبر. وأما الوجه الآخر فإن الله تبارك وتعالى، قد قذف في قلوبهم الهدى، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، ثُمَّ قال: {أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 7]، وقد قال في كتابه: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً} [آل عمران: 83].
__________
(1) في (أ): عملها.(1/473)
فإن قالوا: أخبرونا عن المشركين الذين لم يسلموا، أجبروا على الشرك؟ فيقال لهم: إن المشركين لم يريدوا الإسلام فيجبروا على الشرك، ذلك لو أنهم أاردوا الإيمان فأكرهوا على الشرك(1)، كما أراد المشركون الشرك ورضوا به؛ وأراد الله أن يهديهم؛ فجبرهم على الهدى وهم كارهون. فإن قالوا: فإن لم يكونوا مجبورين ولا مكرهين؛ فهل يستطيعون ترك الشرك وقبول الهدى؟ فقل: لا، إلاَّ أن يشاء الله، فإن قالوا: فكيف لا يكونون مجبورين؛ و[هم] لا يستطيعون أن يتركوا شركهم؟ فقل: كذلك الله يفعل ما يشاء، يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، فلا مضل لمن هدى، ولا هادي لمن يضل. تمت مسائل الحسن بن محمد كلها.
أجوبتها
وأما ما سأل عنه من قول الله عز وجل: {وَآتَيْنَا عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ}، وقوله للمؤمنين: {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِيْنَ}، وقوله: : {هُوَ الَّذِيْ أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيْمَاناً مَعَ إِيْمَانِهِمْ}، وقوله: {فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا}، فكذلك الله أحكم الحاكمين، أتى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ببينات كل امر، وأيده بروح القدس والنصر.
__________
(1) يريد أن الجبر هو ما يكون على خلاف الارادة ولذلك فالمشركون حين لم يريدوا الاسلام ليسوا مجبورين على الشرك كما جبر المشركون المريدون للشرك على الهدى.(1/474)
وكذلك أيد عباده المؤمنين؛ على أعدائه الفاسقين، وذلك من الله فواجب للمطيعين. ألا تسمع كيف يقول: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} [الحج: 40]، وقوله: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7]، وقوله: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17]؟ فكل من آمن بالله واتقى؛ فقد استوجب من الله الزيادة بالنصر والهدى، وذلك من الله للمؤمنين فعطاء(1) وجزاء. فكل من آمن بالله وأطاعه في أمره وجاهد أعداءه؛ فقد ذكر الله سبحانه أن يجازيه على ذلك بما ذكر فيما سأل عنه في هذه الآيات؛ من التفضل بالمعونات.
* * *
__________
(1) في (أ):ففضل.(1/475)