فأما السلطان الذي ذكر الله عز وجل أنَّه ليس له على المؤمنين؛ في قوله: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغَاوِيْنَ}؛ فهو ما علم من المؤمنين من طرده ودحره، وترك طاعته في وسوسته وأمره، وأنهم لا يجعلون له عليهم سلطاناً بشيء من الطاعة له من العصيان(1) لربهم، وأنهم لا يزالون مؤثرين(2) لطاعة الرحمن، محترسين من الشيطان بتلاوة القرآن، والاعتصام بذي الجلال المنان، فهم أبداً لله مراقبون، وفي طاعته ساعون، وللشيطان اللعين معادون، كما أمرهم ربهم حين يقول: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً}[فاطر:6]، وفي كل ما أمرهم به مخالفون، فأولئك هم المهتدون؛ الذين على ربهم يتوكلون، فليس له على هؤلاء سلطان، وإنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون، وكذلك سلطانه على أوليائه، وهو دعاؤه لهم، وإغواؤه إياهم، وقبولهم منه، ومثابرتهم عليه، فلما أن قبلوا منه ولم يعصوه؛ كانت طاعتهم له السلطان له(3) عليهم إذ(4) أطاعوه، وفي دعائه اتبعوه. تم جواب مسألته.
المسألة الثامنة والثلاثون:
هل يخص الله برحمته من يشاء من خلقه، أم هي عامة؟
__________
(1) كذا في النسخ، ولعلها: ومن العصيان.
(2) في (أ): مؤتمرين.
(3) في (أ): سلطان له.
(4) في (ب): إذا.(1/466)


ثُمَّ أتبع ذلك المسألة فقال: أخبرونا، هل يخص الله برحمته من يشاء من خلقه؟ أم ليست له خاصة؟ وإنما هو أمر عام، فمن شاء ترك ومن شاء أخذ؟ فإن قالوا ذلك فقد كذبوا، والله سبحانه يخبر بخلاف قولهم؛ إذ يقول لنبيه عليه السلام: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ* وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ} [الإنشراح: 1ـ2]، وقال أيضاً؛ لمن أراد أن يخصه بالهدى من خلقه: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ}[الأنعام: 125]، وقال أيضاً: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُوْرٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِيْنٍ} [الزمر: 22]، فقال: أخبرونا عن الشرح، ما هو؟ أهو الهدى؟ أم هو الدعاء؟؛ فإن قالوا: إنَّه الدعاء، زعموا أن كل كافر مشروح الصدر بالإسلام، وأن الخلق كلهم جميعاً قد شرحت صدورهم، لأنهم قد دعوا كلهم، وإن قالوا: هو الهدى، الذي يمن به على من يشاء؛ فقد أجابوا. تمت مسألته.
جوابها
وأما ما سأل عنه فقال: أخبرونا هل يختص الله برحمته من يشاء من خلقه؟ أم ليست له خاصة؟
فإنا نقول كما قال الله سبحانه: {وَأَنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ* يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ} [الحديد: 29]، ثُمَّ نقول: إن اختصاص الله برحمته من يشاء من عباده يخرج على معنيين:(1/467)


فأما أحدهما: فهو مشيئته أن يزيد المهتدين هدى، ويزيد المؤمنين تقوى. وذلك قوله سبحانه: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن:11]. وقوله سبحانه: {يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحديد:28]، فشاء سبحانه أن يزيد ويختص برحمته؛ من ثابر على طاعته، وسارع إلى مرضاته، كما شاء أن يخذل من آثر هواه، وأسخط بفعله مولاه.
وأما المعنى الآخر: فهو ما يختص به من يشاء؛ من السلامة والإغناء، وصرف المكاره والبلوى، فتبارك الله الواحد الأعلى.
فهذا ومثله معنى اختصاص الله بالرحمة لمن يشاء، لا ما يقول الفاسقون، ويذهب إليه الضالون؛ من أن الله تبارك وتعالى؛ يخرج من المعصية عباده قسراً، ويدخلهم في طاعته جبراً.(1/468)


وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ* وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ}؛ فإنا نقول: إن الشرح من الله لصدره؛ هو توفيقه وتسديده، وترغيبه بالهدى وتأييده، وتعليمه ما كان يجهله وتفهيمه، فشرح الله بالإيمان صدره، ورفع بالوحي المنزل قدره. وأما الوزر الذي وضعه الله عن ظهره؛ فهو ما يغفر له من ذنوبه. ومن الوزر ما كان منه من الضلال عن الوحي والهدى، فوضعه الله سبحانه عنه بهداه له. ومما خصه الله به(ما آتاه)(1)؛ من التبصرة(2) والزيادة في تقواه؛ فجعله من بعد أن كان جاهلاً عالماً، ومن بعد أن كان متبعاً متبعاً. ومن ذلك ما وضع عنه من وزر الفقر وضراه، وما متن به عليه من بعد العيلة(3) وأغناه، كما قال تباركت أسماؤه، وعزت بكريم ولايته أولياؤه: {وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى} [الضحى: 8]. وأما قوله سبحانه: {الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ}؛ فهو أوقره وفدحه، وغمه وكربه؛ من الضلال؛ عن العمل برضى رب الجلال، فوضع الله عنه ثقل ذلك بما بصره وأوحى إليه، وفضله وامتن به عليه. وليس ذلك الوزر حملاً من الأحمال على ظهره، ولا وقراً أوقر بحمله، وإنما ذلك على المثل، قال الشاعر(4):
حملت أمراً عظيماً فاضطلعت به…جزاك عنا إله الخلق رضوانا
__________
(1) سقط من (ب،ط).
(2) في (ب،ط): من النصرة.
(3) العيلة: الفقر.
(4) لم أعرف قائله.(1/469)


وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام: 125]، فجوابنا في ذلك أن الشرح من الله هو التوفيق والتسديد، والتبصير والتنبيه، وأن معنى قوله جل جلاله: {يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ}، هو بما يَدَّارك عليه من الأمر والدعاء، وما أمر به عبده ورسوله ونزل عليه، فكلما زاد الله في إقامة الحجة عليهم، والدعاء لهم وإظهار الحق لديهم؛ ازدادوا طغياناً وإثماً، وتمادياً وعمى، فخذلهم الله لذلك وأرداهم، وأذلهم وأشقاهم، فعادت صدورهم؛ لما فيها من الشك والبلاء، وما يخافون من ظهور الحق عليهم والهدى؛ ضيقة حرجة كأنما تصعد في السماء. وإنما مثل الله ضيقها(1) بالتصعيد في السماء، لأن التصعيد أشد الشدة وأعظم البلاء، ولذلك ما قال الله جل ثناؤه في الوليد بن المغيرة المخزومي: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً* وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً* وَبَنِينَ شُهُوداً* وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيْداً * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ* كَلاَّ إِنَّهُ كَانَ لآيَاتِنَا عَنِيداً* سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً} [المدثر: 11ـ17]، فلما أنعم الله عليه بما ذكر، فأبى وأعرض واستكبر، وخالف وكفر؛ وعده الله إرهاق الصعود، وهو الأمر الصعب الشديد؛ من العذاب في دار الآخرة بالنار وأغلال(2) الحديد، فلما أن كان الصعد الذي لا تعرض فيه، ولا سهولة في حيله(3)، وأنه مصعد فيه أبداً، وكان أشد ما يلقى من سلك سبيلا؛ ماشياً أو راكباً؛ مثل الله به لهم ما أعد من العذاب والبلاء. تم جواب مسألته.
المسائل 39 ـ 43
__________
(1) في (ط): صفتها.
(2) في (ط): والأغلال.
(3) كذا في النسخ.(1/470)

94 / 209
ع
En
A+
A-