ثُمَّ أتبع ذلك المسألة عن قول الله في الإملاء: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً} [آل عمران: 178]، فقال: خبرونا عن قول الله: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ}، فقال: أخبرونا عن هؤلاء، ألله أراد بهم في إملائه لهم ليزدادوا إثماً، كما قال؟ فإن قالوا: نعم؛ نقض ذلك(1) قولهم، وإن قالوا: لا؛ كذبوا. تمت مسألته.
جوابها
وأما ما سأل عنه من قول الله جل جلاله، عن أن يحويه قول أو يناله: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ}، فقال: إن الله أملى لهم ليزدادوا في الكفر والاجتراء عليه، وليس ذلك كما قال، بل قوله أحول المحال، وسنشرح ذلك والقوة بالله ونفسره، ونذكر ما أراد الله إن شاء الله به، فنقول: إن معنى إملائه لهم هو؛ لأن لا يزدادوا إثماً وليتوبوا ويرجعوا، ومن وسن ضلالتهم ينتبهوا(2)، لا ما يقول أهل الجهالة؛ ممن تحير وتكمه في الضلالة: إن الله املى لهم كي يزدادوا إثماً، وضلالة واجتراء، وكيف يملي لهم كذلك؛ وقد نهاهم عن يسير ذلك؛ فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ} [الحجرات: 12]، فنهاهم عن يسير الإثم وقليله، فكيف يملي لهم ليزدادوا من عظيمه وكثيره؟
__________
(1) في (أ): نقضوا.
(2) في (ب،ط): ينتهوا.(1/451)
فأما قوله: {لِيَزْدَادُوا إِثْماً}؛ فإنما أراد سبحانه لأن لا يزدادوا إثماً؛ فطرح (( لا )) وهو يريدها؛ فخرج لفظ الكلام لفظ إخبار ومعناه معنى نفي، والعرب تطرحها وهي تريدها، وتثبتها وهي لا تريدها، قال الله سبحانه: {لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ} [الحديد: 19]، فقال: (( لئلا ))؛ فأثبت (( لا )) وهو لا يريدها، فخرج لفظ الكلام لفظ إيجاب، ومعناه معنى نفي، أراد الله سبحانه ليعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء من فضل الله، وهذا فموجود في أشعارهم، مثبت في أخبارهم.
قال الشاعر:
نزلتم منزل الأضياف منا…فعجلنا القرى أن تشتمونا
فقال: فعجلنا القرى أن تشتمونا، وإنما معناه: فعجلنا القرى لأن لا تشتمونا، فطرح (( لا )) وهو يريدها، فخرج لفظ الكلام بخلاف معناه.
وقال أخر:
ما زال ذو الخيرات(1) لا يقول… ويصدق القول ولا يحول
فقال: لا يقول، فأتى بـ(( لا )) وهو لا يريدها، وإنما معناها: ما زال ذو الخيرات يقول، فخرج اللفظ خلاف المعنى. تم جواب مسألته.
المسألة الثانية والثلاثون:
عن من أغفل الله قلبه، هل أراد الله أن يطيعه؟
ثُمَّ أتبع ذلك المسألة عن قول الله عز وجل في الإغفال: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} [الكهف: 28]، فقال: أخبرونا عن هذا الذي أغفل الله قلبه عن ذكره، هل أراد الله أن يطيعه؟ فإن قالوا: نعم، فقد كذبوا وجحدوا، وإن قالوا: لا، فقد نقض ذلك(2) قولهم. تمت مسألته.
جوابها
__________
(1) في (أ): ذو الجبروت.
(2) في (أ): فذلك نقض لقولهم.(1/452)
وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه: {وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا}، فقال: خبرونا عن هذا الذي أغفل الله قلبه عن ذكره، هل أراد الله أن يطيعه؟ فتوهم ويحه وغوله؛ إن لم يتب من الله وويله ، أن الله تبارك وتعالى أدخله في الغفلة، وحال بينه بذلك وبين الطاعة، فليس كما توهم، ألا يسمع إلى قول الله عز وجل: {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً}؟ فأخبر سبحانه أنَّه متبع في ذلك لهواه، ضال عن رشده تارك لهداه، ولو كان ذلك من الله لم يكن العبد متبعاً لنفسه هواء، بل كان داخلاً لله فيما شاء وارتضى.
وسنفسر معنى الآية إن شاء الله، والقوة بالله وله، فنقول: إن الله تبارك وتعالى نهى نبيه عن طاعة من أغفل قلبه ممن آثر هواه على هداه.
وأما معنى ما ذكر الله سبحانه من الإغفال؛ فقد يخرج على معنيين والحمد لله شافيين كافيين:
أحدهما: الخذلان من الله، والترك لمن اتبع هواه، وآثره على طاعة مولاه، فلما أن عصى، وضل وغوى، وترك ما دُلَّ عليه من الهدى؛ استوجب من الله الخذلان، لما كان منه من الضلال والكفران، فغفل وضل وجهل؛ إذ لم يكن معه من الله توفيق ولا ارشاد، فتسربل سربال(1) الغي والفساد.
وأما المعنى الآخر: فبين في لسان العرب موجود، معروف عند كلها محدود، وهو أن يكون معنى قوله: {أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا} أي تركناه من ذكرنا، والذكر فهو التذكرة من الله والتنبيه والتسديد، والتعريف والهداية إلى الخير والتوفيق، فيقول سبحانه: تركنا قلبه من تذكيرنا وعوننا وهدايتنا، بما أصر(2) عليه من الإشراك بنا والاجتراء علينا، تقول العرب: يا فلان أغفلت فلاناً، ويقول القائل: لا تغفلني، أي تتركني، وتقول العرب: قم مني، أي قم عني، فتخلف بعض حروف الصفات ببعض، وتقيم بعضها مقام بعض.
__________
(1) في (أ): سرابيل.
(2) في (أ): اجترأ.(1/453)
قال الشاعر(1):
شربن بماء البحر ثُمَّ ترفعت…لدى لجج خضر لهن نئيج
فقال: لدى لجج، وإنما يريد: على لجج، فذكر السحاب ونشطها(2) وشربها من البحار، واستقلالها بما فيها من الأمطار. وقال آخر:
أغفلت تغلب من معروفك الكاسي(3)… فخلت قلبك منهم مغضباً قاسي
(فقال: أغفلت تغلب من معروفك، أي تركتها من عطائك ونوالك، ومنتك وإفضالك، ثُمَّ قال: فخلت قلبك منهم مغضباً قاسي) (4)، فقال: منهم، وإنما يريد: عليهم مغضباً، فأقام حرف الصفة وهو(( من ))؛ مقام أختها وهي (( على ))، فأقام (( منهم )) مقام (( عليهم ))، فهذا معنى الآية إن شاء الله ومخرجها، لا ما توهم الجهال، على ذي المعالي والجلال؛ من الجبر لعباده والإضلال، والظلم والتجبر(5) بالأغفال. تم جواب مسألته.
المسألة الثالثة والثلاثون:
عن قول الله: {ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً}
ثُمَّ أتبع ذلك المسألة عن قول الله في الأَزِّ(6)، فقال: خبرونا عن قول الله سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً} [مريم: 83]، فيقال لهم: هل أراد الله سبحانه أن يؤمن هؤلاء الذين أرسل عليهم الشياطين؟ فإن قالوا: نعم؛ فقد كفروا(7) وجحدوا، وإن قالوا: لا؛ فقد نقض ذلك قولهم. تمت مسألته.
جوابها
__________
(1) هو أبو ذؤيب الهذلي، والبيت من الشواهد المعروفة.
(2) يعني انتزاعها للماء من البحر، وفسر بعضهم قوله تعالى: {والناشطات نشطاً} بالسحاب.
(3) في (أ): الفاشي.
(4) سقط من (أ).
(5) في (أ): والتحيير والإغفال.
(6) في (أ): سبحانه في الإرسال في الأز.
(7) في (أ): كذبوا.(1/454)
وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه وتعالى عن كل شأن شأنه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً}، فقال: هل أراد الله من هؤلاء الذين أرسل عليهم الشياطين تؤزهم أن يكونوا به من المؤمنين؟ وبما أنزل عز وجل من المصدقين؟ وقد أرسل عليهم مردة الشياطين؟ فتوهم ـ بجهله ـ أن الله أرسل الشياطين على الآدميين إرسالاً، وجبرهم على تحييرهم وتضليلهم جبراً، وأدخل الشياطين في إغوائهم قسرا، ليضلوهم عن الهدى، ويوقعوهم في الردى، وأن ذلك كان من الله للشياطين أمرا وقضاء؛ قضى به عليهم(1) قسرا، وليس ذلك بحمدالله كما قال، ولا على ما ذهب إليه من فاحش المقال، وكيف يرسل الشياطين على عباده إرسالاً، ويدخلها في الإغواء لهم إدخالاً، ثُمَّ يعذبها عليه، ويعاقبها فيه؟! ألا تسمع كيف يقول سبحانه: {لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} [ص: 85]، فلم ـ إن كان أرسله(2) عليهم ـ إذاً يعاقبه(3) على ما صنع فيهم؟ بل هو على غير ما يقول في الرحمن؛ أهل الضلالة والطغيان.
__________
(1) في (ب): عليها.
(2) في (أ): أرسلها.
(3) في (أ): عاقبهم.(1/455)