مأواهم؛ على فعل ما(1) عليه خلقهم وسواهم!؟ تعالى الله عن ذلك، وتقدس أن يكون كذلك، بل ذلك فعل منهم، ولذلك رجع وباله عليهم، فمن كان لله مريداً صبر عند المحنة، ومن كان عنه بعيداً هلع، وعند النوازل جزع، وإنما يكون ذلك على قدر اليقين، والتسليم لله من المؤمنين.
ومن ذلك يوم حنين، حين انهزم المسلمون وجزعوا، وثبت مع رسول الله صلى الله عليه وآله الذين ثبتوا(2)، ثُمَّ ناداهم الرسول فرجعوا. أفيقول الحسن بن محمد: إن الله سبحانه خلقهم جُزَّعاً، فانهزموا لما خلقهم عليه من الجزع، ثُمَّ ناداهم الرسول فاستحيوا منه فكروا، وعن خلق الله الذي خلقهم عليه غيروا، فتركوا ما ركب الله فيهم من الجزع والجبن!؟ أم يقول: إن الله عز وجل خلقهم في أول الأمر جزعاً هلعاً، ثُمَّ نقل خلقهم آخراً فجعلهم صبراً!؟ لقد ضل إذاً ضلالاً بعيداً، وخسر خسراناً مبيناً، بل ذلك منهم كله أوله وآخره، ولذلك أثيبوا على الرجوع، ولو لم يرجعوا لعوقبوا على الذهاب والشسوع، فليفرق من عقل بين ما أخبر الله سبحانه عنه، وبين ما فعله وجعله، فبينهما ولله الحمد فرق عند ذوي العقول عظيم، وأمر واضح في اللسان بين جسيم. تم جواب مسألته.
المسألة التاسعة والعشرون:
عن الصم البكم، هل يستطيعون أن يقبلوا الهدى؟
ثُمَّ أتبع ذلك المسألة عن قول الله سبحانه حين يقول للمؤمنين: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ* إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ} [الأنفال: 21]، هل كان هؤلاء الذين ذكر يستطيعون أن يقبلوا الهدى وأن يسمعوا المنفعة في دينهم؟ فإن قالوا: نعم؛ فقد كذبوا وجحدوا، وإن قالوا: لا؛ كان ذلك نقضاً لقولهم. تمت مسألته.
جوابها
__________
(1) في (أ): على ما فعل فيهم وما عليه.
(2) في (أ): اتبعوا.(1/446)
وأما ما سأل عنه من قول الله: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ}، فتوهم أنهم كانوا لا يسمعون لصمم جعله الله سبحانه في آذانهم، أو لسبب جعله حاجزاً بين الهدى وبينهم، وليس ذلك والحمدلله كذلك، ولو كان الله فعل ذلك بهم لما عاب صممهم، ولكان(1) أعذر لهم من أنفسهم، ولما بعث إليهم المرسلين، ولا أمرهم باتباع المهتدين، وإنما أراد الله سبحانه بذلك حض المؤمنين؛ على الطاعة لرب العالمين، والاستماع لسيد المرسلين، فقال للمؤمنين: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ}، يقول: لا تكونوا كالذين قالوا أطعنا بألسنتهم؛ وهم كاذبون في قلوبهم، بل قلوبهم منكرة لذلك جاحدة له، يدارون(2) بالقول، خوفاً من المؤمنين والرسول، ويكفرون من ورائه بكل الدين والتنزيل، وهم الذين قال فيهم الرحمن الجليل: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ} [البقرة: 14]، وقال: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [الفتح: 11]، وهم الذين قال الله فيهم؛ من منافقي قريش والأعراب وغيرهم: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1]، فنهى المؤمنين عن مشابهة المنافقين، ولم يكن قوله ما قال إخباراً منه بتركيب ماذمه منهم فيهم، ولو كان الله سبحانه فعله فيهم؛ لما نهى المؤمنين عن ذلك إذ هو فعله لا فعلهم، فكيف ينهاهم عن أن يفعلوا فعله؟ ولو جاز أن ينهاهم عن فعل ما فعله فيهم؛ لكانوا مقتدرين على أن يفعلوا كفعله (ولو كانوا مقتدرين على أن يفعلوا كفعله)(3)
__________
(1) في (ط): ولكن.
(2) في (ب): يدرأون. ولعلها: يداورون.
(3) سقط من (ط) سهواً.(1/447)
، إذاً لخلقوا كخلقه، ولو خلقوا كخلقه؛ لامتنعوا بلا شك مما يكرهون من أفعاله، من موتهم وابتلائه إياهم بما يبتليهم به، ولتزيدوا(1) فيما آتاهم مما يحبونه، فتعالى من هو على خلاف ذلك، والمتقدس عن أن يكون كذلك.
وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَآبِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ}، فقال: هل كان هؤلاء يقدرون على أن يقبلوا الهدى؟ أو أن يسمعوا ما يدلون عليه من التقوى؟ فصدق الله سبحانه: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَآبِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ}(2)[الأنفال: 22].يقول: الذين لا يهتدون إن هدوا، ولا يقبلون الحق إن دعوا، ولا ينتهون إذا نهوا، فضرب الله لهم ذلك مثلاً إذ كانوا في الضلال على هذه الحال، وهم في ذلك لقبول الحق مطيقون(3)،وعلى اتباع الصدق مقتدرون، فلما أن تركوا ذلك شبههم الله بالصم البكم الذين لا يعقلون؛ إذ تركوا فعل ما كانوا يطيقون. تم جواب مسألته.
المسألة الثلاثون:
عن قول الله في المنافقين {ذهب الله بنورهم..}
ثُمَّ أتبع ذلك المسالة عما ضرب الله عز وجل للمنافقين عن المثل في قوله: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} [البقرة: 18]، فيقول: الا يرون أن الله هو الذي ذهب بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون؟ فأخبرونا هل كان هؤلاء يستطيعون سماع الهدى، وقد وصفهم الله سبحانه بالصمم؟ وهل كان لهم أن يقبلوا الهدى؛ وقد وصفهم بالعمى؟ وهل كانوا ينتفعون بنور الهدى وقد ذهب الله به؟ فإن قالوا: نعم؛ فقد كذبوا بكتاب الله وجحدوا بآياته، وإن قالوا: لا؛ كان ذلك نقضاً لقولهم. تمت مسألته.
جوابها
__________
(1) في (أ): ولازدادوا.
(2) سقط من (ب).
(3) في (ط): مطيعون.(1/448)
وأما ما سأل عنه من قول الله في المنافقين، وما ضرب لهم من المثل في قوله: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ}، فقال: ضرب مثلهم؛ ثُمَّ جهل فقال: خلقهم وكفرهم، فرجع عن الحق الذي نطق به في أول كلامه حين يقول: ضرب مثلاً، ثُمَّ قال: هل يستطيعون سماع الهدى، وقد وصفهم الله جل ثناؤه بالصمم والعمى؟(1/449)
فقولنا في ذلك: إن الله جل وعلا لم يخلقهم كذلك، ولم يجعلهم عمياً، ولا عن سماع الخير والتقى صماً، وأن الله تبارك وتعالى ضرب لهم هذا مثلاً؛ فقال سبحانه: إن هؤلاء الذين أتاهم الهدى، وكشف لهم عن الحق الغطاء؛ فأنار لديهم، وثبت في صدورهم، وأيقنوا أنَّه من عند خالقهم، فكفروا بربهم، وخالفوا أمر نبيهم، وآثروا ظلمتهم(1) على ما أضاء من الحق لهم، فتركهم الله وخذلهم، ومثَّلَهم؛ إذ تركواا تركوا حظهم، وما أنار من الحق عندهم؛ بمن استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم، فكان الذي شبهه بضوء النار هو الهدى الذي أخرجه الله لهم، وامتن به عليهم؛ فتركوه ولم يتبعوه، ولم يستضيئوا بنوره وناصبوه وعاندوه، لا ما يقول الحسن بن محمد أن الله سبحانه فعل ذلك بهم، وجعلهم(2) عن استماع الحق صماً وعمياً، وعن قبول الصدق حاجزاً، فجهل الفرق بين المثل والفعل، وكيف يجعلهم الله كذلك، ويخلقهم على ذلك، ثُمَّ يرسل إليهم نبيه يدعوهم إلى الهدى، ويخرجهم من الحيرة والعمى؛ وهم عن الخروج ممنوعون، وعن الدخول في الحق مصروفون؟ فالله سبحانه إذاً أرسله يدعوهم إلى الخروج عما فيه أدخلهم، وعليه ـ جل وعز عن ذلك ـ حملهم(3)، فنسبوا في ذلك إلى الله الاستهزاء، واللعب والإعماء(4)، والجهالة والخطأ، والظلم لعباده، والفساد(5) في بلاده.
كذب القائلون على الله بذلك، وضلوا ضلالاً بعيداً. تم جواب مسألته.
المسألة الحادية والثلاثون:
عن قوله تعالى: {إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً}
__________
(1) في (أ): باطلهم.
(2) في (أ): وخلقهم.
(3) في (ط): جبلهم.
(4) في (أ): والعبث والإغواء.
(5) في (أ): والإفساد.(1/450)