ثُمَّ يقال لهم: خبرونا؛ وعما نسألكم عنه أجيبونا: هل بعث الله جل ثناؤه نبيه إلى الخلق طراً ـ فإنه يقول: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً} [سبأ: 28]،ـ يدعوهم إلى طاعته، وينهاهم عن معصيته؟ أم بعثه إلى بعض ولم يبعثه إلى بعض؟ فإن قالوا: بعثه إلى الخلق(1) طراً، فقل: فماذا دعاهم إليه؟ فإن قالوا: إلى الثبات على ما هم عليه من الكفر كفروا، وإن قالوا: دعاهم إلى الإيمان، قيل لهم: فهل يقدرون على ذلك من الشأن؛ وقد جبلوا ـ على قولكم ـ على الكفران؟! فإن قالوا: نعم؛ تركوا قولهم، وإن قالوا: لا؛ جهلوا ربهم ونبيهم؛ إذ زعموا أن الله سبحانه بعث نبيه يدعو إلى الخير والهدى؛ من لا يقدر على الاهتداء، ومن قد حال الله عز وجل بينه وبين التقى، وهذا فأفحش أفعال الظلمة الجهال، وما لا يجوز في الله ذي الجلال؛ أن يحول بين عبده وبين طاعته؛ ثُمَّ يرسل إليه ويأمره بمرضاته؛ وقد أخرجه منها وأدخله في ضدها، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً. تم جواب مسألته.
المسألة السابعة والعشرون:
عن قول الله: {ولا يزالون مختلفين..}
__________
(1) في (أ،ب): الناس.(1/436)
ثُمَّ أتبع ذلك المسألة عن قول الله عز وجل: {وَلَو شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 118]، فيقال لهم: خبرونا عن هؤلاء الذين قال الله: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ}، هل يستطيعون أن يكونوا على غير ما وصفهم الله به؟ وأن يتركوا ما خلقهم له؟ فإن قالوا: لا يستطيعون؛ فقد أجابوا وصدقوا، وإن قالوا: نعم، هم يستطيعون أن يكونوا على غير ما خلقهم؛ فقد كذبوا وخالفوا، وإن زعموا أن الله جل ثناؤه إنَّما خلق أهل الإيمان للرحمة، فنحن نقبل منكم ونصدقكم إن زعمتم أن الله جل ثناؤه خلق خلقاً من خلقه خصهم بالرحمة، فلا يستطيعون أن يكونوا على غير ما خلقهم، لأنَّه قد استثنى لهم. تمت مسألته.
جوابها(1/437)
وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ}، فإنا نقول: إن معنى قوله: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً}؛ هو إخبار عن قدرته، ونفاذ ما شاء من إرادته، فأخبر سبحانه أنَّه لو شاء أن يجعلهم أمة واحدة لجعلهم قسراً، ولأدخلهم في طاعته جبراً، ولكنه لم يرد قسرهم على ذلك، ولم يرد أن يدخلهم في الطاعة كذلك؛ للحكمة النيرة، والحجة الباهرة؛ ليثيب على عملهم المثابين، ويعاقب على اجترامهم المعاقبين، لا ما يقول به المبطلون، ويذهب إليه الجاهلون؛ من أنَّه لم يرد من العاصين الطاعة، ولم يكره من الفجرة المعصية، وأنه لو أراد ذلك منهم لفعلوه، ولو شاء أن يعبدوه لعبدوه، وقالوا على الله عز وجل الأقاويل الردية، وضاهوا في ذلك قول الجاهلية؛ حين قالوا: {لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} [الزخرف: 20]، فقال سبحانه يكذبهم فيما وهموا من أنَّه يريد عبادة أحد دونه وأنه لا يشاء أن يعبدوه: {مَالَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ* أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ} [الزخرف: 21]، ثُمَّ أخبرنا بما به عبدوا من يعبدون، ومن به في ذلك يقتدون؛ فقال: {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} [الزخرف: 22]، ثُمَّ أخبر نبيه صلى الله عليه وآله بقول من كان قبلهم؛ ممن أهلك بمثل قولهم؛ فقال: {كَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} [الزخرف: 23]. فكيف يقول الجهال، وأهل الغي والضلال: إن الله سبحانه يشاء من عباده أولهم الكفر؟ وقد يسمعون في ذلك قوله،(1/438)
ويرون ما نزل بإخوانهم على قولهم من نكير قولهم(1)، أو لم يسمعوا الله سبحانه وتعالى عن كل شأن شأنه يقول: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ} [الزمر: 7]؟ فقال: {إِنْ تَكْفُرُوا}، فأخبر بذلك أن الكفر فعل منهم ولهم، إذ نسبه سبحانه إليهم، وذكره عنهم، ثُمَّ قال: {وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ}، فأخبر أنَّه لا يرضى ما كان من كفرهم، فكيف يقول الجاهلون في ربهم؛ إنَّه قضى بما لم يرض لهم عليهم؟! فأكذبوا في ذلك رب الأرباب، وعاندوه في كل الأسباب، فقالوا: إنَّه رضي بما قال سبحانه إنَّه لم يرضه، وقالوا: إنَّه سخط ما قال إنَّه رضيه، فعاندوه في ذلك عناداً، وجاهروه بالمكابرة جهاراً. ففي هذا والحمدلله من البيان، ما يكفي عن ذكر غيره من الحجج والبرهان.
__________
(1) في (أ): من تكفير ربهم.(1/439)
وأما قوله جل جلاله عن أن يحويه قول أو يناله: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ}، فإنا نقول في ذلك بالحق المبين، على رب السموات والأرضين؛ فنقول: إن معنى قوله: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ}، أي لا يزال أهل الحق لأهل الباطل مخالفين، وعليهم في باطلهم وفسقهم منكرين، {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} رب العالمين، وبه أمرهم سبحانه أكرم الأكرمين، فخلق جميع خلقه ليعبدوه لا ليعصوه، وأمرهم أن يطيعوه ولا يخالفوه، وأن يجاهدو الكافرين كافة أجمعين؛ حتى يفيئوا إلى طاعة رب العالمين. فخلقهم سبحانه لما شاء من ذلك، وشاء ما أمرهم به، وأمرهم بما خلقهم له من طاعته، ومجاهدة أعدائه والنصر لأوليائه، فقال سبحانه في ذلك: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} [التوبة: 36]. وقال: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيْكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة: 123]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ} [الممتحنة: 1]، وقال: {لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَو كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيْمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيْهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22]، ففي كل ذلك يأمر المحقين بمخالفة المبطلين(1)، وبالبراءة والعداوة للفاسقين(2)
__________
(1) في (أ): بالمخالفة للمبطلين.
(2) في (ب): القاسطين.(1/440)