بسلاح، ونترك الديار والنخل والقرى، فرضي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، فخرجوا بإبلهم، عليها جيد(1) متاعهم، وتحف أبوابهم، فلما قلعوا التحف تهدمت وجوه البيوت، وذلك تدبير منهم، ليخربوها عليهم، فكان أحدهم إذا هدم لحاف بيته بطل البيت، ثُمَّ خرجوا على الإبل بالتحف، فذلك قول الله سبحانه: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِيْنَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ}، فخرجوا جالين(2)، ولنعمهم تاركين، وذلك قول أصدق الصادقين: {وَلَوْلاَ أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاَءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ} [الحشر: 3]، والتعذيب فهو القتل، فكان الرعب الذي قذفه الله في قلوبهم؛ هو ماكان من خذلانه لهم حتى عمي عليهم رشدهم، وفاسدوا إخوانهم، ودخل الفزع عند ذلك من النبي والمؤمنين في قلوبهم، وأيقنوا أنَّه إذا علم بما كان من مظافرتهم عليه، وصاروا من الغدر به إليه؛ أنَّه لا يتركهم، وأنه يقاتلهم على فعلهم، حتى يظهر الله عز وجل الحق، ويزهق الباطل من الخلق. وهذا معنى القاء الله الرعب في قلوب الفاسقين؛ لما أرادوا من هلاك المؤمنين. وكذلك كان فعله بأهل خيبر حتى أخذوا وأسروا، وقتلوا وسبوا.
فهذا قولنا في إلقاء الله الرعب في قلوب الفاسقين، لا ما ذهب إليه من خالف المحقين، وعند من قول الصدق في رب العالمين. تم جواب مسألته.
المسألة السادسة والعشرون:
عن قول الله: {ولقد ذرأنا لجهم ..}
__________
(1) في (أ،ب): خير.
(2) جلى عن وطنه وأجلى: خرج منه.(1/431)
ثُمَّ أتبع ذلك المسألة عن الذرو بالإرادة فقال: خبرونا عن الذروبالإرادة، فإن الله يقول: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ} [الأعراف: 179]، فسلهم: هل يستطيع هؤلاء أن ينقلبوا عما ذرأهم الله له؟ فإن قالوا: نعم؛ فقد كذبوا وزعموا أنهم يستطيعون أن يبدلوا خلقهم وإرادة الله فيهم، وإن قالوا: لا؛ كان ذلك نقضاً لقولهم. تمت مسألته.
جوابها
وأما ما سأل عنه من قول الله عز وجل: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ}، فقال: هل يستطيع أحد أن يخرج أو ينتقل مما ذرئ له؟ وتوهم بل قال: إن الله ذا الجلال والإكرام خلق لجهنم قوماً كافرين، ذرأهم وأوجدهم ابتداء فاسقين، وخلقهم ضالين مضلين؛ لا ينفع فيهم دعاء، ولا يقدرون طول الزمان على الاهتداء(1)؛ لما قد خلقوا له من الشقاء، فهم أبداً بفعل الفواحش مولعون، ولعمل الهدى غير مطيقين، وأنهم على ذلك مجبولون، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
__________
(1) في (ب): اهتداء.(1/432)
فنقول في ذلك على الله بالحق، والله الموفق لكل خير وصدق؛ فنقول: إن معنى الآية خلاف ما ذهب إليه الحسن بن محمد، وإن القول خلاف ما قال به فيه، بل معناها على الصدق والمعاد، لعلم الله بما يكون من العباد، فقال: {ذَرَأْنَا}، فأخبر عما سيكون في آخر الأمر، ويوم القيامة والحشر؛ من الذرو الثاني، لا الذرو الأول الماضي. فكذلك الله رب العالمين، يذرأ لجهنم في يوم الدين؛ جميع من مات على كفره من الكافرين، فيعذبهم على فعلهم، ويعاقبهم على ما تقدم من كفرهم، كما قال الرحمن الرحيم، الرؤوف الكريم: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ* إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ* فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ* عَنِ الْمُجْرِمِينَ* مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ* قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ* وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ* وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ* وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ* حَتَّى أَتَانَا اليَقِينُ* فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 38ـ48].
فهذا معنى ما ذكر الله من الذرو في الكتاب، لا ما ذهب إليه الحسن بن محمد ذو الشك والارتياب؛ من أن الله سبحانه خلق للنار خلقاً تعمل بالمعاصي أبداً، لا يقدرون على هدى ولا طاعة، في سنة ولا شهر ولا يوم ولا ساعة، وأن الله سبحانه خلق للجنة أصحاباً مجبولين لله على الطاعة في كل الأسباب.(1/433)
فيا عجباً من قولهم المحال! وكذبهم على الله في المقال! فأين ويحهم المعاصي والطغيان(1)، ممن عمل بما ألزمه الله في كل شأن؟ بل كلٌّ مطيع، وفي مراد الله(2) سريع؟ فإن كان ذلك من الله كذلك؛ فلم بعث الأنبياء إليهم يدعونهم؟ وأوجب عليهم طاعتهم؟! وطاعة الأنبياء فهي العمل بطاعة الله، ومعصيتهم هي المعصية(3) لله، قال الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء: 59ـ، محمد: 33]، وقال: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ نُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [النساء: 13، الفتح: 17]، وقال: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} [الجن: 23]، وقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ} [النساء: 1، لقمان: 33]، وقال: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الذاريات: 50]، فأين الطاعة؛ ممن جبل على المعصية؟ وأين الفرار؛ ممن منعه منه الجبار؟ وكيف لا يعصي الرسول والرحمن(4)؛ من قد حيل بينه وبين الإحسان؟!.
__________
(1) في (أ): والعصيان.
(2) في (أ): وفي كل أمر الله.
(3) في (أ،ب): العصيان.
(4) في (ب،ط): والرحمن الرحيم.(1/434)
ومن ذلك قول إبراهيم صلى الله عليه لأبيه: {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ العِلْمِ مَالَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً * يَا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً} [مريم: 42ـ43]، فماذا يقول الكاذبون(1)، وينسب إلى الله وإلى نبيه الضالون؛ في هذا العلم الذي جاء إبراهيم؟ أتراه أتاه من العلم ـ إن كان الله قد خلق أباه للنار ـ أن أباه يقدر أن يخرج إلى غير ما خلقه الله له من النار حتى يصير إلى الجنان؟ أم يقولون إن العلم الذي جاء إبراهيم هو أن أباه ـ إن كان الله جل ثناؤه خلقه للشقاء، وحال بينه وبين الهدى ـ يقدر على مغالبة الرحيم، والخروج مما أعد له من الجحيم، والمصير إلى دار النعيم؟ والله سبحانه لم يخلقه(2) لذلك، بل جبله على غيره، ومنعه من رشده؟ أم تقولون في إبراهيم، الأواه الحليم، الصديق الكريم؛ أنَّه دعا أباه إلى اتباعه، وضمن له ما ضمن من ارشاده، ونهاه عن عبادة الشيطان الرجيم، وأمره بطاعة الرحمن الرحيم؛ وهو يعلم أن الله جل جلاله قد منعه من الخير، وأدخله إدخالاً في الشر والضير؟! فلقد إذاً أمره بمغالبة ربه، وهجره واعتزله على غير ذنبه(3).
__________
(1) في (ط): الكافرون.
(2) في (ط): المخلف لذلك.
(3) في (ط): دينه.(1/435)