فأما ما قال وتوهم أنَّه إذا خرج في اللفظ شيء كان كذلك في المعنى، فقال: وقد قال الله سبحانه: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ*وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ}، فتوهم الحسن بن محمد على الله تبارك وتعالى أنَّه الفاعل لكل ذلك، وليس ذلك والحمدلله كذلك. وسنفسره إن شاء الله ونبينه، وبالحق نميزه. فنقول: إن معنى قوله جل جلاله: {جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً}، هو كما قال سبحانه، هو الذي خلق الخشب والحجر، والماء والمدر، هو دلهم على ذلك، وهم بنوا(1) وعملوا المساكن، وكل ما صنعوه من الأماكن، وهو جعل وخلق الأنعام وجلودها، وهم عملوها بيوتاً، ولو لم يخلق الجلود لم يقدروا على عمل ما ذكر من البيوت، وكذلك لو لم يخلق الحجر، والخشب والمدر؛ لم يبنوا بيوتاً يسكنونها، ولا دوراً يأوونها. وكذلك السرابيل التي تقي الحر وقت الحر، وتقي القر وقت القر. وكذلك سرابيل البأس(2)، التي تقي وتحرز من الناس(3)؛ فالله عز وجل أوجد حديدها، ودلهم على عملها، وهم تولوا(4) فعلها وسردها(5) وتأليفها ونسجها.
__________
(1) في (ط) تصحفت إلى: لبوا.
(2) في (ب) و(ب): اللباس، وهو خطأ.
(3) في (ب) (ج): البأس.
(4) في (ط): يتولون.
(5) في (أ،ب): وسمرها. وسرد الدرع ونسجها: تداخل الحلق بعضها في بعض.(1/416)
وأما ما ذكر من قول الله جل ثناؤه: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَاناً}؛ فكذلك فعل عز وجل، فهو المتولي لذلك لم يفعله غيره، وهو جاعله، فجعل من الأكنان؛ وقاء أوقى من البنيان، وجعل من الظلال؛ لما خلق من الأشجار وغيرها من الجبال؛ ما تبين فيه القدرة والمنة لذي الجلال. فما كان من فعل العباد؛ فخلاف أفعال(1) ذي المنة والأياد، وما كان من فعل الرحمن، فخلاف فعل الإنسان، لا كما قال المتكمهون الجهال: الله سبحانه والعبد سواء في الأفعال، كذب المبطلون. تم جواب مسألته.
المسألة العشرون: الإغراء بالإرادة لا بالأمر
ثُمَّ أتبع ذلك الحسن بن محمد المسألة؛ فقال: خبرونا عن الإغراء بالارادة دون الأمر، فإن الله يقول: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ} [المائدة: 14]، فسلهم: هل كان هؤلاء يستطيعون(2) أن يخرجوا مما صنع الله بهم، وأن يتركوا العداوة بينهم؟ فإن قالوا: نعم؛ كذبوا كتاب الله، وإن قالوا: لا، كان ذلك نقضاً لقولهم.تمت مسألته.
جوابها
__________
(1) في (أ): فعل.
(2) في (أ): هل كانوا لا يستطيعون، وفي (ب): هؤلاء لا يستطيعون.(1/417)
وأما ما سأل عنه من الإغراء بالارادة دون الأمر؛ فزعم أن الله جل ثناوه يأمر بما لا يريد، ويريد من الأشياء ما لا يشاء كينونته، فأخطأ في قوله وأمره، ونسب الجهالة في ذلك إلى ربه، ورضي فيه بما لا يرضاه في نفسه، ولا يراه حسناً من أمته وعبده. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. ألا ترى أن الأمر بما لا يشاء من أجهل الجاهلين؟ وعن الحكمة من أبعد المبعدين؟ فكيف اجترأ الحسن بن محمد على رب العالمين؛ فنسب إليه أشد ما يعاب به المربوبون؟ثُمَّ احتج في قوله، وسطر أفحش القول في ربه؛ فقال: قال الله: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ}[المائدة: 14]، فقال: إن الله تبارك وتعالى أغرى بينهم ولم يرد الإغراء، (ولم يأمر بالإغراء)(1)، وأدخلهم من ذلك فيما لم يشأ. وليس ذلك كما توهم ولا كما قال، وأول الآية يدل على عدل الله في ذلك حين أخبر؛ بما كان منهم وذكر؛ من الترك والرفض لما أمروا بأخذه، والأخذ لما أمروا بتركه، فلما أن فعلوا من ذلك ما عنه نهوا؛ استأهلوا من الله سبحانه الترك والخذلان؛ بما كان منهم لله من العصيان، فتركهم من الرشد والتوفيق فضلوا، وعن الخير والصلاح في كل أمرهم عموا، والبرَّ والتواصلَ تركوا، فغريت بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، ونشأ على ذلك خلف من بعد خلف، فكان ذلك؛ بسبب خذلان الله لهم وسخطه عليهم لذلك(2)، فلما كان ذلك كذلك جاز أن يقال: إن الله أغرى بينهم العداوة بكل(3) ضلال قالوا، فنسب المسيح منهم قوم إلى أنَّه رب، ونسبه قوم آخرون إلى أنَّه ابن للرب، وقال آخرون بما قال في نفسه أنَّه عبد الله، حين أخبر عنه بقوله، حين أشارت
__________
(1) سقط من (أ).
(2) كذا في النسخ ولعل الصواب: كذلك.
(3) في (أ،ط): وبكل ولعل الصواب حذف الواو كما أثبت من ب.(1/418)
إليه أمه، قال الله جل ثناؤه: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً* قَالَ إِنِّي عَبْدُاللَّهِ آتَانِيَ الكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً* وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَمَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً} [مريم: 29ـ31]، فلما أن اختلفوا، وعلى الحق لم يأتلفوا، كفر بعضهم بعضاً، وبرئ فاسق من منافق، ومنافق من فاسق، وخذلهم(1) الله فيه، ولعنهم سبحانه عليه، غريت بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة. فلما كان عز وجل الذي خذلهم فضلوا، وتركهم فهلكوا، قال: {فَأَغْرَينَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ}، وهذا ولله الحمد مشهور، في اللسان معروف. تم جواب مسألته.
المسألة الحادية والعشرون: عن قول الله تعالى: {وهو الذي كف أيديهم عنكم..}
ثُمَّ أتبع ذلك المسألة؛ فقال: خبرونا عن قول الله: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} [الفتح: 24]، وذلك يوم الحديبية، فسلهم: هل كان واحد من الفريقين يستطيع أن يبسط يده إلى أخيه، والله عز وجل يخبر أنَّه قد كف بعضهم عن بعض بإرادة لا بأمر؟ فإن قالوا: نعم، قد كانوا يستطيعون أن يقاتل بعضهم بعضاً؛ كذبوا كتاب الله عز وجل، وإن قالوا: لا؛ فهذا نقض لقولهم. تمت مسألته.
جوابها
__________
(1) في (أ): خذلهم.(1/419)
وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} [الفتح: 24]، فقال: هل كان يستطيع أحد أن يمد يده إلى عدوه، وقد كف الله سبحانه أيدي حزبه؛ من رسوله والمؤمنين، عن حزب الشيطان الفاسقين، وأذن لرسوله وأطلق له مهادنة قريش ومن معهم من المشركين؛ نظراً منه سبحانه للمؤمنين، ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله لما أن طلبته قريش منه، ولو لم يأذن الله له عز وجل في ذلك لم يفعله، ولم يك ليرجع يوم الحديبية حتى يقاتلهم، وعلى الحق وبالحق ينازلهم، ولقد أراد ذلك صلى الله عليه وآله، وبايع أصحابه على الموت فيه بيعة ثانية، وهي البيعة التي ذكر الله عن المؤمنين ورضي بها عنهم، وأنزل السكينة عليهم، وصرف القتال، وكف أيدي الكل من الرجال؛ بما أطلق لرسوله صلى الله عليه وآله من اجابته لهم إلى ما طلبوا من المهادنة في ذلك العام، والرجوع عنهم والدخول في السنة المقبلة إلى البيت الحرام، فأطلق له الرجوع عنهم والترك لمقاتلتهم لما ذكر سبحانه، (فمن كان بمكة)(1) ممن كان بمكة من المؤمنين والمؤمنات، لأن لا يطأوهم فيقتلوهم بغير علم، فتصيبهم منهم معرة عند الله بالحكم. والمعرة ها هنا فهي الدية، لا ما قال غيرنا به فيها من الإثم، وكيف يأثم من بر وكرم وقاتل على الحق ـ كما ذكر الله عز وجل ـ من خالفه من الخلق؛ فقتل مؤمناً بغير علم ولا تعمد وهو إنَّما قتله وهو يحسبه كافراً، ويظنه في دين الله فاجراً، فهو والحمدلله في ذلك غير آثم، ولا متعد في فعله ولا ظالم، ولكنه مخطئ فعليه ما على مثله، وهو ما ذكر الله في قوله حين يقول: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: 92]. وإنما جعل عليه العتق والدية تعظيماً لقتل المؤمن، وتشديداً على
__________
(1) ليس في (أ).(1/420)