ثُمَّ أتبع ذلك المسألة عن التزيين؛ فقال: خبرونا عن التزيين بالإرادة دون الأمر، فإن أنكروا أن الله يزين لعباده دون أن يكون أمراً منه؛ فقد رد الله عليهم قولهم؛ فقال في الأنعام: {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ} [الأنعام: 108]، وقال في حم السجده: {وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} [فصلت: 25]. وقال في النمل: {إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ} [النمل: 4]. هذا كله تزيين إرادة؟ أو ليس إرادة؟. تمت مسألته.
جوابها
وأما ما سأل عنه وقال، وتوهم من زور المقال(1)؛ من أن الله تباركت أسماؤه، وعز بكريم ولايته أولياؤه؛ زين للكافرين أعمالهم تزييناً، وحسنها في قلوبهم تحسينا، وأنه أراد بذلك منهم إقامتهم فيها، ومثابرتهم عليها، جل الله عن ذلك، وتقدس عن أن يكون كذلك. واحتج في مقاله، وفيما ارتكب من ضلاله، بقول الله سبحانه:{وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُوْنَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ}، فصدق الله تبارك وتعالى فيما قال، وتقدس ذو الجبروت والجلال.
__________
(1) في (ب): المحال.(1/401)
فأما قوله تبارك وتعالى: {وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ}؛ فإن هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام المخزومي لعنه الله، وذلك أنَّه لقي أبا طالب عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فقال: يا أبا طالب، إن ابن أخيك يشتم(1) آلهتنا، ويقع في أدياننا، واللات والعزى لئن لم يكف عن شتمه آلهتنا لنشتمن إلهه، فأنزل الله في ذلك ما ذكر في أول هذه الآية، تأديباً للمؤمنين، فأمرهم بالكف عن شتم أصنام المشركين، لكيلا يجترئوا بغير علم على شتم رب العالمين.
__________
(1) في (ب):يسب.(1/402)
وأما ما احتج به الحسن بن محمد في الآيات المنزلات: آية النمل، وآية الأنعام، وآية حم السجدة، وما ذكر فيهن ذو الجلال والإكرام، من قوله: {زَيَّنَّا}، و{قَيَّضْنَا}، فإن ذلك من الله هو الإمهال، وترك المغافصة لهم بقطع الآجال، وما كان في ذلك منه لأهل الجهل من التبري منهم، والخذل منه سبحانه لمن عشا عن ذكر ربه منهم، فلما أن أمهلوا، وعلى ماهم عليه من الشرك والكفر تركوا، وبالعقوبات لم يعاجلوا، وأملي لهم ليرجعوا فتمادوا ولم ينيبوا، ورأوا من إمهال الله وتأخيره لهم، وصرف ما عاجل به غيرهم؛ من القرون الماضية، والأمم الخالية، من ثمود وعاد، وفرعون ذي الأوتاد، وقوم نوح وقوم لوط، وأصحاب الرس والأيكة، وقوم تبع والمؤتفكة، وغير ذلك من القرون المهلكة، فزادهم تأخير ذلك عنهم اجتراء وتكذيباً، ومجانة وافتراء وتزييناً(1)، بصرف ذلك عنهم [مع] (2) ما هم عليه من أعمالهم، وفاحش قولهم وأفعالهم. فكان إملاء الله لهم وتركهم ليرجعوا أو لتثبت الحجة عليهم، وتنقطع المعذرة إليهم؛ هو الذين أطمعهم، وزين عملهم لهم، فجاز أن يقول: (زينا لهم)؛ إذ قد تفضلنا وأمهلنا، وأحسنا في التأني بكم ورحمنا. وكذلك تقول العرب لعبيدها، يقول الرجل لمملوكه، إذا تركه من العقوبة على ذنب من بعد ذنب وتأني به، وعفى عنه وصفح؛ ليرجع ويصلح؛ فتمادى في العصيان، ولم يشكر من سيده الإحسان؛ فيقول له سيده: أنا زينت لك، وأطمعتك فيما أنت فيه إذ تركتك وتأنيت بك، ولم أؤاخذك ولم أعاجلك.
فهذا على مجاز الكلام، المعروف عند أهل الفصاحة والتمام.
__________
(1) في (ط): وترتيباً.
(2) زيادة ليستقيم المعنى.(1/403)
وأما الآية التي في حم السجدة فكذلك، ألله أوجد القرناء وخلقهم، ولم يجمع بينهم وبين من أطاعهم، ولم يأمرهم بطاعتهم ولا اتباعهم، بل حضهم على مخالفتهم، وأخبر بعداوتهم، ونهاهم عن اتباع الهوى؛ فقال: ({وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} [الكهف: 28] وقال)(1): {وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} [القلم: 10]. وقال فيمن يأمر ويوسوس بالسوء من الشياطين: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً} [فاطر: 6]، فبين كل ما افترض وأمر به، فلم يترك لذي علة قبله متعلقاً، فكان تقييضه(2) لهم ما ذكر من القرناء؛ هو تخليته لهم وتبريه منهم، وترك الدفع لنوازل الأسواء عنهم، وذلك فيما تقدم منهم من الكفر بربهم والشرك بخالقهم. تم جواب مسألته.
وبتمامها تم الجزء الأول. والحمد لله كثيراً وصلواته على خير خلقه محمد النبي وآله الطيبين وسلامه، وحسبنا الله وحده وكفى. ويتلوه الجزء الثاني من مسائل الحسن بن محمد بن الحنفية في تثبيت الجبر والتشبيه، ورد الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم، عليه السلام، في نفي ذلك عن الله سبحانه، وإثبات العدل والتوحيد وتصديق الوعد والوعيد.
الجزء الثاني
من مسائل محمد بن الحسن بن الحنفية
المسألة التاسعة عشرة: عن الجعل بالإرادة لا بالأمر
__________
(1) سقط من (ب).
(2) في (ط): نقيضه وهو تصحيف.(1/404)
ثُمَّ أتبع ذلك المسألة عن قول الله سبحانه: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} [الكهف: 57]، إلى آخر الآية، فقال: أخبرونا عن الجعل بالإرادة دون الأمر، فإن أنكروا، فأخبرهم أن الله يقول: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً} [الكهف: 57]، وقال سبحانه: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الممتحنة: 7]. في آيات كثيرة من الكتاب؛ فيقال لهم: ما ذلك الذي جعل الله وهو كائن كما جعل؟ فإن قالوا: إنَّما ذلك الدعاء، فقل: إن الدعاء قبل ذلك، فقد دعا العابد جميعاً، وهذا شيء قد خص به من يشاء من خلقه ولم يعمهم، لأنَّه إنَّما يهتدي من جعل الله في قلبه الهدى، ولم يعمهم بالهدى. فإن قالوا: قد نعلم أن الله قد جعل الناس كلهم مهتدين، ولا نقول إن الله قد جعلهم كفاراً، فقل: إن الله يرد عليكم قولكم في كتابه، فإنه قد قال: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القِرَدَةَ وَالخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوت أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 60]. ألا ترى أن الله قد جعل منهم القردة والخنازير [وعبد الطاغوت](1)؟ فإن زعموا أن الله إنَّما سماهم بذلك ونسبهم إليه، فقل: فلذلك لم يجعلهم قردة وخنازير وإنما سماهم ونسبهم إليه. (2)
__________
(1) زيادة ليستقيم المعنى.
(2) كذا في (أ)، والصواب فكذلك. والمعنى: إن زعموا أن جَعْلَهم عبد الطاغوت إنما هو جعل الحكم والتسمية، فكذلك جعلهم قردة وخنازير، وهم لا يقولون بذلك فيه، فكذلك فيما عطف عليه، هذا ما أراده، والله أعلم.(1/405)