ومن المداولة الأيام(1) بين الأنام ما ينزل بهم من المصائب الهائلات، وما يمن به عليهم من الآلاء والنعم السابغات(2). من ذلك ما يأخذ من الأقارب والآباء، والأخوة والأبناء، وجماعة القربى، وما يهب عز وجل لمن يشاء من الأولاد الذكور، وما يصرف ويدفع من الشرور. فهذه الأشياء كلها التي تكون في لياليه سبحانه وأيامه؛ مداولة منه لا شك بين عباده.
فأما ما يظن الجهال، وأهل التكمه في الضلال؛ من أن معنى هذه الآية هو إدالة الفاسقين؛ على الحق والمحقين، وأنه يمكن في الأرض للفاجرين، ويمهد للفسقة العاصين، بما قد حرم عليهم، ولم يجعله بحمد الله لهم، بل شدده عليهم غاية التشديد، في ترك مشاقة أهل الحق والتسديد، وأمر في ذلك بالاتباع لهم، وترك الخلاف في جميع الأسباب عليهم، (فهذا كذب منهم على رب العالمين، وكيف يجوز أن يديل ويمهد للعاصين)(3)، بل كيف يتوهم علىالرحمن الكريم، الواحد ذي الجلال العظيم؛ أن يكون أدالهم، وأعطاهم ما عنه زجرهم ونهاهم؟ فتبارك ذو السلطان المبين(4)؛ عن مقالة أهل الضلال الجاهلين. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وسلم. تم جواب مسألته.
المسألة السابعة عشرة:
عن الإذن بالمعصية، هل يكون من الله أم لا يكون؟
ثم أتبع ذلك الحسن بن محمد المسألة عن قول اللّه عز وجل: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ} [آل عمران: 166]؛ فقال: خبرونا عن الإذن وإنكاركم أن يكون الله أذن في المعاصي.
__________
(1) في (ط،ب): وبالمداولة بالأيام.
(2) أسبغ الله عليه النعمة: أوسعها وأتمها.
(3) ما بين القوسين سقط من (ب)، وفي (أ): وقع بعد قوله: للفسقة العاصين، وبعده: بل كيف.
(4) في (أ): المتين.(1/396)


فقل: الإذن من اللّه على وجهين: فإذنٌ إذنٌ فيه أمر يأمر به، وإذن إذنٌ فيه إرادة منه أن يكون لما يشاء من أمره، وما كان من معصية فلا تكون إلا بإذنه، (وكذلك أظنه)(1)، وذلك(2) إرادة منه، فإن قالوا: نعم؛ فقد أقروا بنفاذ أمره وإرادته، وإن جحدوا وأنكروا، فإن الله قد كذبهم في كتابه؛ فقال للمؤمنين: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ}، يعني بذلك ما أصابهم من القتل والهزيمة، وإنما كان ذلك تأييداً للكافرين، فقد أذن الله للكافرين أن ينالوهم بما أصابوهم من القتل والجراح والهزيمة، فإن زعموا أن إذن الله أمره؛ فقد زعموا أن الله أمر بالمعاصي، وأمر المشركين أن يقتلوا المؤمنين، وكل مأمور إذا فعل ما أمر به فهو مطيع وله عليه أجر، والكتاب يكذبهم. وإن زعموا أن إذنه(3) على وجهين: على وجه الأمر، والآخر على وجه الإرادة، فقد أقروا بالحق، وفي ذلك نقض لقولهم ورد عليهم، فقد زعموا أن الله يريد أن يكون ما لا يأمر به ولا يرضاه. تمت مسألته.
جوابها
__________
(1) ليس في (ا)، ويظهر أنَّه لا معنى له.
(2) في (أ): وكذلك.
(3) في (ط): إرادته.(1/397)


وأما ما قال، وعنه بجهالته سأل، من قول اللّه تبارك وتعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ}، فقال: إن ذلك عنده من اللّه إذن للكافرين؛ فيما نالوه من الرسول والمؤمنين؛ في يوم أحد من القتل، وما نالوا به حمزة رحمه اللّه من المثل، وما نالوا به الرسول صلى الله عليه وآله من الجراح، وما اجترأوا علىالله فيه وعليه؛ من هشم وجنته، وكسر رباعيته. فكيف يتوهم من كان له عقل، أو فهم يبين به عن الجهل؛ أن الله أذن لأعدائه(1)، في فعل ذلك بأوليائه؟ كذب من ظن ذلك وقال على الله بهتاناً وزوراً، وكانوا عنده سبحانه قوماً بورا. وكيف يأذن للفاسقين في القتل والسواية المؤمنين؛ وهم الخيرة عنده من عباده أجمعين؟ بل الإذن منه للمؤمنين في قتل المشركين وقتالهم؛ حتى يسلموا أو يفيئوا عن جهلهم وضلالهم، ألا تسمع كيف يقول سبحانه للمؤمنين: {فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا} [محمد: 4]، ويقول: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الكُفَّارِ وَلِيَجِدُوا فِيْكُمْ غِلْظَةً} [التوبة: 123]، ويقول سبحانه: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5]؛ ففي كل ذلك يأمر المهتدين؛ بقتال الضالين المضلين، وبقتل المحادين المشركين.
__________
(1) في (أ): للكافرين.(1/398)


فهل سمع الحسن بن محمد بشيء من كتاب الله سبحانه وأمره، وإذنه للمؤمنين وزجره؛ أمراً منه للكافرين بقتال المؤمنين، أو حضاً لهم على المسلمين؟ بل في كل كتابه يأمر بقتال الكافرين، ويحض على محاربة الفاسقين. من ذلك قوله: {قَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً} [التوبة: 36]، وقال ترغيباً في قتال الناكثين، وتفضيلاً للمؤمنين المجاهدين على جميع العالمين: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ} [التوبة: 11]. فدل بما جعل لهم من الجزاء، وأعد لهم على ذلك من كريم العطاء، أن ذلك من فعلهم له رضى.
ثُمَّ قال فيمن تعدى على المؤمنين، وخالف فيهم حكم رب العالمين: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} [البروج: 10]، فأخبر أنَّهم على ذلك عنده معذبون، فدل ذلك من فعل العدل الرحيم؛ على أنهم كانوا له مخالفين، وفي تعديهم وفتنهم(1) له عاصين، وعلى فعلهم ـ لا فعله ـ أوجب عليهم العذاب، ولو كان أذن لهم في ذلك لأجزل لهم عليه الثواب. فسبحان الرؤوف الجواد، البريء من أفعال العباد، المتعالي عن اتخاذ الصواحب والأولاد، المتقدس عن الإذن بالفساد.
فليعلم من سمع قولنا من العالم أن الإذن من الله على معنيين:
__________
(1) في (ط): وقتلهم.(1/399)


فأما أحدهما: فإذن أمر وإرادة، وحكم ومشيئة. وذلك قوله سبحانه: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7]، فهذا معناه معنى حكم بالزيادة للشاكرين، وبالعذاب للكافرين. وكذلك قوله: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39].
وأما المعنى الآخر: فإذن تخلية وإمهال(1) للعصاة فيما يكون منهم من العصيان؛ فعلى ذلك يخرج معنى قول الله سبحانه: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ}، يعنى تعالى بتخلية الله لهم.
وكذلك قال سبحانه في هاروت وماروت ومن يتعلم منهما: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 102]، يريد سبحانه بتخلية الله لهم؛ لإثبات الحجة عليهم، إذ قد مكنهم من العمل والفعل، ثُمَّ أمرهم بتقواهم، وبصرهم غيهم وهداهم، وعن تعليم السحر وتعلمه نهاهم، فإن ائتمروا، وتعليمَ السحر وتعلمَه تركوا؛ أنيلوا الثواب، وإن أبوا، وما نهوا عنه تخيروا؛ وجب عليهم بفعلهم العقاب، وحرموا بذلك من الله الثواب. تم جواب مسألته.
المسألة الثامنة عشرة: عن التزيين بالإرادة لا بالأمر
__________
(1) في (ب): وإهمال، ومعناه: تركهم.(1/400)

80 / 209
ع
En
A+
A-