فلو تدبرتم كتاب الله وآمنتم بما فيه ما عارضتم أمور الله تعالى (ولاعبتم) (1) ولفهمتم قضاءه، تردون عليه(2) برأيكم أمره، وتعقبون حكمه وتظلمون عدله، تقولون إن فعل(3) بخلقه شيئاً ثُمَّ عذبهم بما صنع بهم فقد ظلمهم، فسبحان الله ما أعظم قولكم وأضعف رأيكم.
تمت مسألته.
جوابها
وأما ما سأل عنه من القتال، فقال: هل أراد الله من المؤمنين أن يقاتلوا الكافرين؟ ومن الكافرين أن يقاتلوا المؤمنين؟ أم أراده من المؤمنين دون الكافرين؛ فبذلك ولله الشكر نقول، وإليه أمورنا تؤول، فنقول: إن الله شرع حقاً، وأوجب صدقاً؛ فدعا إليه الناس، وكشف عنهم به الالتباس، ثُمَّ أوجب على الخلق كلهم الدخول فيه والمقاتلة عليه، فكل من كان على ما شرعه الله تعالى من الحق؛ فقد أراد الله منه مقاتلة من خالف عنه من الخلق، وإنما أراد سبحانه من عباده؛ أن يقاتلوا على ما رضيه من دينه، فأما ما لم يرده من أفعال الكافرين، ولم يشرعه ولم يرضه من عبادة أصنام المشركين؛ فكيف يريد من أصحابه القتال عليه، وقد كرهه منهم، وذمهم على المقام فيه، ودعاهم إلى الخروج منه؟ وقد علم كل من كان له علم، وآتاه الله شيئا من فهم الحكم(4)؛ أن المشركين عن آلهتهم كانوا يدافعون، وعن دينهم يقاتلون، وعلى ما كان آباؤهم من القتال يثابرون، فإن كان الله أراد منهم ذلك، وجعلهم فيه كذلك؛ فقد ارتضاه، وعلى الأديان كلها اصطفاه، كما ارتضى الذي بعث به خاتم النبيين، وأراده وأمر بالقتال عليه المؤمنين.
فإن قالوا: ارتضاه وأراده، وأمر بالقتال عليه عباده؛ كفروا بالرحمن، وتابعوا قول الشيطان.
__________
(1) ليس في (أ،ب).
(2) في (ب،ط): عليهم.
(3) في (ط): تقولون: إنه فعل.
(4) في (ب،ط): الحكمه.(1/386)
وإن قالوا: بل سخطه وشنئه(1) وأمرهم ـ لإشقائهم ـ بالمقاتلة عليه؛ فقد ساووا عنده بين ما ارتضاه؛ وبين ما سخطه وأباه، وهل يأمر بحياطة مالا يريد، إلاَّ الجاهل غير الرشيد؟ فإن كان حتم عليه بعمل الردى؛ لما أراد بهم ـ بزعمهم ـ من الشقاء؛ فعلى ماذا يعذبهم ويشقيهم، وفي الحميم يصليهم؛ وهم له طائعون، وفي إرادته منهم متصرفون؟! أهذا عندهم من صواب الحكيم، العدل في فعله(2) الرحيم؟! بل هذا من فعال الجائرين(3)، وأعظم ما عاب سبحانه من اعتداء الظالمين. فلا يجدون بدّاً من أن ينسبوا إلى الله التجهيل، والظلم والتعدي والجور الجليل، أو يدخلوا في الحق، ويرجعوا إلى الصدق؛ فيقولوا: إن الله أمر وأراد حياطة ما ارتضى، وكره ونهى عن حياطة ما لم يشأ.
__________
(1) في (ط): وسبه.
(2) في (ا): أفعاله.
(3) في (أ): من فعل الجبارين.(1/387)
وأما ما ذكر من قول الله عز وجل: {وَإِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} [الأنفال:43]، فقال وتوهم أن هذا الأمر المفعول الذي يقضيه الله، هو قضاؤه على الفريقين بالقتال، والمزاحفة والاقتتال؛ وليس ذلك ولله الحمد على ما قال، ولا على ما توهم من المحال؛ أن الله يقضي على الكافرين بقتال المؤمنين، ولا أنَّه يقلل المؤمنين في أعين الكافرين؛ تشجيعاً منه لهم على قتال المؤمنين، وتأييداً بذلك لهم على المهتدين، ولكن قللهم في أعينهم لكيلا يروهم بحالة الكثرة؛ مع ما في قلوبهم من هيبة الروعة؛(1) فينهزموا ويذهبوا، ويرجعوا ولا يقاتلوا، فكان ذلك خذلاناً لهم وخزياً عليهم. وقللهم في أعين المؤمنين لكيلا يروهم على الكثرة التي كانوا عليها فيهابوا ويخافوا، فقللهم في أعينهم تأييداً منه لهم، ومعونة وإحساناً إليهم. فأما قوله: {لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً}، فمعناه: ليقضي الله وعداً كان منجزاً، وهو ما وعد رسوله والمؤمنين من النصر إذا نصروه، والتسديد لهم إذا قصدوه.ألا تسمع كيف يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7]، ويقول: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} [الحج: 40]، فقضى تبارك وتعالى لرسوله وللمؤمنين عند الالتقاء بما وعدهم من النصر، وفعل لهم، ضمن فعاله من الأمر، وتغنيمهم ما وعدهم من إحدى الطائفتين: طائفة الجيش، وطائفة العير، فغنمهم الله طائفة الجيش كما وعدهم من الأمر. وإنْجَازُ ما وعد
__________
(1) في (أ): قلوبهم من الرعب من هيبة الدعوة.(1/388)
المؤمنين من النصر على الكافرين؛ فهو الأمر الذي ذكر الله أنَّه كان مفعولاً، لا ما يتوهم أهل هذا القول الفاسد المخبول(1).
وأما قوله: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِهِمْ لَو أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَينَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 62]، فنصر الله رسوله، كما قال سبحانه: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} [الفتح: 26]، فألف الله على ذلك بين المؤمنين، لا كما ظن الحسن بن محمد وأصحابه أهل العمى، والقول بالردى؛ أن التأليف من الله كان بين الكافرين والمؤمنين في القتال، وأنه ساق بعضهم إلى بعض جبراً حتى ألف بينهم للقتال، وهذا فأحول المحال، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. ألا ترون كيف قال: {أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِهِمْ}، فرد اسم المضمر في الهاء والميم من: {قُلُوبِهِمْ} على الاسم الظاهر من: {الْمُؤْمِنِينَ}، فسبحان أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
__________
(1) في (ب،ط): المخذول.(1/389)
وأما ما سأل عنه من قول الله تبارك وتعالى: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} [الأنفال: 7]، وقال: لو لم يخرج المشركون؛ أليس كان يبطل وعد الله لنبيه وللمؤمنين؟ فقولنا في ذلك: أن الله سبحانه وعد نبيه كما قال إحدى الطائفتين: طائفة العير، وطائفة الجيش المستعير، وأن الله لم يجبر الفاسقين على الخروج إلى قتال المؤمنين، بل عن ذلك نهاهم، وإلى طاعته وطاعة رسوله دعاهم، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} [الأنفال: 20]، ونقول: لو أطاعوا الله فيما أمرهم لم يخرجوا لمحاربة الحق ولم ينصبوا.(1/390)