لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ* فَمَا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ* فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَومِ يَلْقَونَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}، فقد يمكن أن يكون الله سبحانه لما أن كذبوه وأخلفوه خذلهم، ومن الإرشاد والتوفيق تركهم، فتكمهوا في ضلالهم، وارتكبوا القبيح من أعمالهم، فأعقبهم كثرة ضلالهم، وعظيم اجترائهم على قول الزور والبهتان، وارتكاب الضلال والعصيان؛ تمادياً في ذلك حتى مردوا على الكذب والفساد، والنفاق وقول المحال والإلحاد، فيجوز أن يقال: أعقبهم الله نفاقاً إذ تركهم من التوفيق؛ والتسديد والتحقيق؛ حتى غلب عليهم الهوى، ورفضوا الخير والهدى، واستعملوا بينهم النفاق في كل أمرهم، فعادوا منافقين، وللرشد تاركين، ينافق بعضهم بعضاً، ويقرضه في الغيب له قرضاً.(1/376)


وقد يكون الذي أعقبهم في قلوبهم النفاق هو فعلهم وكذبهم، وغدرهم في موعدهم الذي أوجبوه لخالقهم، وذلك أن الكذب والردى؛ يجر بعضه بعضاً، فلما أن كذبوا فيما قالوا، ووعدوا خالقهم من أنفسهم فأخلفوا؛ كانوا لغيره فيما يعدون أخلف، ولسواه سبحانه أكذب فكاذبوا بيناتهم، وأبطلوا بالزور قالاتهم، فدعت حالة حالةً، حتى تكمهوا في الغي والضلالة، ودعا ما كان منهم أولاً من الكذب والإخلاف؛ إلى قلة الصدق والإنصاف. فحل(1) بينهم التضاغن وذهب عنهم الإئتلاف، فعاد كل منافق في قوله غير صادق، فكان الذي أعقبهم النفاق آخرا؛ هو فعلهم للكذب والإخلاف أولاً، فجر فعل الصغائر(2) إلى ارتكاب موبقات الكبائر، حتى صار ذلك لهم عادات، وكان لهم وعليهم علامات؛ يعرفون بها دون غيرهم ودلالات. فهذا أيضاً معنى يصح في اللسان، ويعرفه من كان ذا بيان. والحمدلله ذي الجلال والبرهان، والجبروت والقدرة والسلطان.
__________
(1) في (أ): فجرى.
(2) في (ط): الضغائن.(1/377)


وأما ما سأل عنه من معنى قول الله سبحانه: {إِلَى يَوْمِ يَلْقَونَهُ}، قد يمكن أن يكون المعني باللقاء، هو الله الرحمن الأعلى، يريد بقوله، (( يلقونه ))، أي يلقون حكمه ويعاينونه، وقد يكون الذي يُلْقَى(1)، ما تقدم من علمهم ومضى، فيعاينونه في الآخرة يوم الحساب، ويجدونه عند الله مثبتاً في الكتاب، كما قال سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} [يس: 12]، وقال: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [الزلزلة: 7 ـ 8]، يقول سبحانه: يرى جزاءه، ويعاين ما حكم عليه به، من الخير والثواب، العذاب والعقاب، فيكون لقاؤهم لأعمالهم، هو توقيف الله لهم على القليل والكثير من أفعالهم، وما يكون منه سبحانه على ذلك من جزائهم، فيلقى المحسنون ما وعدهم الله في إحسانهم من الثواب، ويلقى المجرمون ما وعدهم من العقاب. تم جواب مسألته.
المسألة الخامسة عشرة:
ما فعل بعباده، هل يعذبهم عليه أم لا؟
__________
(1) في (ط): يلقونه.(1/378)


ثُمَّ اتبع ذلك الحسن بن محمد المسألة عن ما صنع الله بعباده، فقال: خبرونا عما صنع الله بالعباد، هل يعذبهم عليه؟ فإن قالوا: لا، فقل: خبرونا عمن زاده الله كفراً، ومده في طغيانه، وأعقبه النفاق في قلبه هل يعذبه عليه؟ فإن قالوا: نعم، فقد دخلوا فيما يعيبون، وإن قالوا: لا. فقل: فقد زعمتم أن الله لا يعذب من كان على الكفر، ولا يضر من كان عليه، وأنتم تزعمون أن الله إنَّما صنع ذلك عقوبة لهم. وسلهم: هل استطاع هؤلاء الترك لما صنع الله بهم، والخروج منه؟ فإن قالوا: لا، فقد أجابوا، وإن قالوا: نعم، فقد كذبوا بكتاب الله، وخالفوا قول الله، إذ يقول: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَونَهُ} [التوبة: 77]، (فإن قالوا: يقدرون على أن يصرفوا من النفاق قلوبهم قبل أن يلقوه) (1)، فقول الله بزعمهم باطل، في قوله: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 57]، تمت مسألته.
جوابها
وأما ما سأل عنه مماالتبس عليه، فتعسف بقول الزور فيه، فقال: أخبرونا، وبما عندكم نبئونا؛ عن قول الله سبحانه: {وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام: 110]، وفيما صنع الله بالعباد تقولون؛ هل يعذبهم على ما فيه أدخلهم وعليه جبرهم؟
__________
(1) سقط من (ط).(1/379)


فلعمري، لقد تقدم في ذلك الجواب، وقلنا فيه إن شاء الله بالصواب، ولا بد أن نقول فيما سأل عنه في هذا الجواب، نأتي على شرحه إن (شاء الله بشرح شاف، فنقول)(1): إن معنى قوله سبحانه: {وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}، هو تركه لهم من توفيقه وتسديده، وعونه ولطفه وتأييده، لما خرجوا منه من طاعته، وارتكبوا بطغيانهم من معصيته، فولى بعضهم بعضاً، ولم يقم لهم سبحانه أمراً، كما قال سبحانه:{وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأنعام: 129]، فلم يبرأ منهم سبحانه، ويكلهم إلى أنفسهم جل وعظم شأنه؛ إلاَّ من بعد أن تولوا، وكفروا وتعدوا، فاستوجبوا منه الخذلان، بما تمادوا فيه من الطغيان، كما يستوجب الرشد والتوفيق بالطاعة منه المؤمنون، واستأهل بالاهتداء منه والزيادة في الهدى المهتدون، كما قال أحكم الحاكمين وأصدق القائلين:{وَالَّذِينَ اهْتَدَوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17]، فأخبر سبحانه أنَّه ولي للمتقين، مجانب خاذل للفاسقين، وكذلك قال سبحانه رب العالمين: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَولَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الكَافِرِينَ لاَ مَولَى لَهُمْ} [محمد: 11]، يريد سبحانه أنَّه ولي الذين آمنوا والمتولي في كل الأسباب لهم، وأنه الخاذل للكافرين والتارك لتأييدهم، الرافض لتوفيقهم وتسديدهم، ألا ترى كيف يقول ويخبر بتأبيده وصنعه وتسديده ولطفه للمؤمنين، وتخليته بين الكافرين وبين من أطغاهم(2) من الطاغوت، والطواغيت فهم الذين أجابوهم إلى دعائهم، واتبعوهم في أهوائهم؛ من مستجني الشياطين(3)، وأبالسة الإنس الملاعين؛ الذين أطغوهم واستهووهم في الردى والطغيان، ومنوهم مع الإقامة على ذلك من الله الغفران، قال الله سبحانه: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ
__________
(1) سقط من (ط).
(2) في (ب،ط): بين المؤمنين والكافرين وممن أطغاهم.
(3) في (ط): من مستجيبي الشيطان.(1/380)

76 / 209
ع
En
A+
A-