فأما قوله سبحانه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} فهم المنافقون الذين كانوا يحتجرون من الرسول ومن المؤمنين بانتحال الإيمان، وتلاوة ما أنزل الله من القرآن، وقلوبهم لذلك منكرة، وفي دين الله فاجرة، وبه سبحانه كافرة، فهم يراءون بألسنتهم الرسول مخافة القتل والتنكيل، وهم عن الله بضمائرهم حائدون، وللحق بينهم وفي سرائرهم معاندون. ألا تسمع كيف يقول سبحانه فيهم، ويدل بصفاتهم عليهم، حين يقول: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ} [البقرة: 14]؟، وقال سبحانه يخبر عنهم بما هم فيه، وما يجتمعون في خلواتهم من المشاقة عليه: {وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 76].(1/371)
ومن ذلك ما قال سبحانه في الأعراب: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيْمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: 14]، ومن قولهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ما يقول الله سبحانه: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [الفتح: 11]، فأخبر الله عنهم بما كان من كذبهم فيما ذكروا أنَّه شغلهم، وأخبر بنفاقهم وتوهيمهم ما أوهموا نبيه صلى الله عليه وآله من إحقاقهم؛ فيما طلبوا منه من الاستغفار لهم، والصفح في ذلك عنهم، فأمره الله سبحانه أن يخبرهم؛ أن استغفاره لهم غير دافع عقوبة الله عنهم؛ إذا أراد الله الانتقام في ذلك منهم؛ فقال سبحانه: {قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} [الفتح: 11]، ثُمَّ أخبر نبيه صلى الله عليه وآله عن أمورهم؛ بما كانوا يتوهمون أنَّه قد غبي(1) عليه علمه مما كانوا ظنوه وأجنوه في صدورهم؛ فقال ذو المعارج والجلال: {بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوماً بُوراً} [الفتح: 12]، فأخبرهم سبحانه بما ظنوا من الظن القبيح في الرسول والمؤمنين وتوهموا، وما زين في قلوبهم الشيطان من ذلك وأملى، وأنهم كانوا في ذلك قوماً بوراً.
__________
(1) في (ط): خفي.(1/372)
وأما قوله جل جلاله، وتقدس عن (( أن )) يحويه قول ويشبهه شيء أو يناله: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} فقد يخرج على معنيين، وكلاهما إن شاء الله للحق مضاف(1).
فأما أحدهما فأن يكون المرض الذي في قلوبهم؛ هو الشك الذي هم فيه يلعبون، من جحدانهم لما يرون من آيات ربهم، فقلوبهم لذلك مريضة، فلا يؤدون لله سبحانه من فرائضه فريضة، فهم في شكهم ولعبهم يترددون، وفي خطيئاتهم وطخياء(2) حيرتهم يعمهون، كما قال سبحانه: {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ}[الدخان 9].
فقد تكون زيادة الله لهم من المرض الذي ذكر أنَّه في قلوبهم لشكهم وضلالهم؛ هو بما يزيد نبيه صلى الله عليه وآله من الوحي والبرهان، وتنزيل ما نزل من القرآن؛ الذي به مرضت قلوبهم، ومنه دويت(3) صدورهم، فكلما زاد الله منه نبيه تبياناً وعلماً، وخيراً وفضلاً وحكماً؛ ازداد لذلك مرض قلوبهم تراكماً، وزادهم الله بتنزيل الحق غيظاً وغماً.
__________
(1) في (ب): مصيبان.
(2) في(ط): وطمياء. من الطامة، وقد تقدم شرحها.
(3) دويت: أصابها الداء.(1/373)
وقد يكون ذلك المرض حل في قلوبهم لشدة الحسد منهم لنبيهم صلى الله عليه، على ما جعل الله من البركات واليمن في كل الحالات لديه، ولما خصه الله به دونهم، وآثره(1) به سبحانه عليهم، من هبوط الملائكة نحوه، وما عظم به الله له خطره وقدره، فجعله الله صفياً يوحي إليه، وينزل إليه وحيه بفرائضه عليه، وما خصه به من أن جعل طاعته له طاعة، ومعصيته له معصية؛ فقال: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}[النساء: 8]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء: 59، ومحمد: 33]، وقال سبحانه: {مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]، وقال: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} [الفتح: 17].
__________
(1) في (أ): وأكرمه.(1/374)
فلما أن رأت(1) قريش هذه الكرامات البينات النيرات التي لا يقدرون على دفعها، ولا يأتون أبداً بمثلها؛ اشتد لذلك حسدها لرسول رب العالمين،وعهدوا(2) عليه وعلى من معه من المؤمنين، فمنعه الله منهم، ورد حسدهم وبغيهم في نحورهم، فنصبوا له المحاربة، وطالبوه(3) أشد المطالبة، فردهم الله بغيظهم، كما قال سبحانه: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ القِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً} [الأحزاب: 25]، وذلك(4) حين تحزبت قريش والعرب، وطلبوا رسول الله صلى الله عليه وآله غاية الطلب، فكفاه الله في ذلك اليوم والمسلمين، القتال بأخيه ووصيه علي بن أبي طالب أفضل المستشهدين، فقتل عمرو بن عبد ود اللعين، وكان عماد المشركين وفارس المتحزبين، فانهزم بقتله جميع الكافرين، وفل الله حد المبطلين، وأظهر دعوة المحقين، ونصر رسوله خاتم النبيين، وكبت أعداءه المحادين. قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} [المجادلة: 5]، فلما أن أذلهم وهزمهم، وكبتهم كما كبت الذين من قبلهم، تدارك الكبت في قلوبهم، وترادفت الحسرات في صدورهم، ومرضت(5) لذلك وبه منهم القلوب، وأحاطت بهم(6)منهم الذنوب، فهم في كل يوم يرون من نصر الله لنبيه ويسمعون عنه ما يزيدهم حسداً، ويحدث لهم به في قلوبهم مرضاً، حتى صدق الله رسوله الرؤيا بالحق التي كانت في غزوة الحديبية، أراه وأكمل له من دخول مكة آمناً لا يخاف إرصاداً، فنزل بالمشركين من ذلك ما كانوا يخافون، وحقق الله لرسوله ما كانوا يحذرون، {وَمَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ
__________
(1) في (أ): فكلما رأت.
(2) في (أ): وجحدوا.
(3) في (أ): وطلبوه.
(4) في (أ): وكذلك.
(5) في (أ): فتضرمت.
(6) في (أ): به.(1/375)