ألم تر كيف يقول ذو العزة والإنعام: {أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ} [الأعراف: 179]؟ وقال: {إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} [الفرقان: 44]، يقول: إذ أعطوا من الفهم والتمييز والنظر(1)، وجودة التحرف(2) في غامض الفكر؛ مالم تعطه البهائم، وما قد حجبها عنه العزيز العالم، وخلقها على غيره من الخلق، وصورها على ما قد يراه جميع الخلق، فأبوا استعمال ما ركب فيهم، وأمتن الله به سبحانه عليهم، وتركوا النصفة وأخذوا في المكابرة والمعاندة لربهم، والكفر لنعمة خالقهم، فكانوا لذلك وفيه أضل من الأنعام، إذ تركوا ما لو علمته الأنعام وعرفته، وميزته وفهمته، لقبلته ولسارعت إليه، ولدخلت بأجمعها فيه ثُمَّ لثابرت إلى الممات عليه.
فهذا والحمد لله قول لا ينكسر على من قال به بل يضح، وينير لذوي العقول ويستبين ويصح.
__________
(1) في (ط): والنطق.
(2) كذا في (أ، ب)، ولعلها تصحفت عن: التصرف.(1/366)
وقد يخرج ذلك على معنى آخر، فيكون على قدر علمه منهم بما سيكون من اختيارهم للضلال، وإيثارهم للسفال(1)، وتركهم للهدى، وقلة رغبتهم في التقى، وأنهم للعنتهم(2) وحميتهم، وشدة حسدهم لنبيهم؛ لايختارون ما جاء به من الله (براً بهم) (3) وأنهم لا يطيعونه فيما دعاهم ـ من حظهم ـ إليه، وأنهم سيجاهرون بالجرأة عليه، فلما أن علم الله منهم أنهم يختارون ـ بما ركب فيهم من القدرة والاستطاعة، وسلم لهم من الجوارح والآلة ـ معصيته على طاعته، ومخالفته على مرضاته، وأنهم يلقونه يوم الحشر كفاراً كذلك، فختم لهم ـ إذ قد علم (صيورة أمرهم ـ بذلك، فكان الختم منه علينا، إخباراً منه بما علم)(4) من غاية أمرهم(5)، فختم عليها ولها؛ بما علم أنَّه يكون آخر اختيارها وعملها. وكذلك قيل في محمد سيد المرسلين، إنَّه صلى الله عليه وآله خاتم النبيين، فسمي خاتمهم إذ كان آخرهم، فلما أن علم الله آخر أعمالهم، وما عليه يكون فناء آجالهم؛ ختم بذلك عليهم، ودعاهم به وذكره عنهم وفيهم، فكان ذلك العمل منهم اختياراً، وكان ما قال الله فيهم منه إخباراً.
__________
(1) في (أ): للمقال.
(2) في (أ): لتعاميهم.
(3) ليست في (أ)، وفي (ب): برأيهم.
(4) ما بين القوسين سقط من (ط).
(5) في (أ): أمرها.(1/367)
وأما ما ذكر الله من الطبع على قلب من على قلبه طبع، فسنقول فيه بوجهٍ من قال به إن شاء الله أصاب، ووجده بيناً نيراً في اللسان والإعراب، وهو ما تقول به العرب لمن ذكر في ملأ من الناس عن إنسان شيئاً مما يفعله ويكتسبه ويصنعه من الردى والخنا: يا فلان، طبعت ويحك فلاناً وأفسدته، وطرحته بما طبعته به من أعينهم. فعلى ذلك يخرج الطبع من الله لقلوب الفاسقين، عند ملائكته المقربين وأنبيائه المرسلين وعباده المؤمنين، فيكون طبعه لها عندهم؛ هو: ما ذكر وأخبر به عنها من باطن أسرارها، وفاحش إضمارها(1) وفسادها، وقلة قبولها للحق واهتدائها، وكفرها بربها وحسدها لنبيها، وبما فيها من الدغل والعداوة لخاتم النبيين، والمشاقة لرب العالمين، والمنافقة للمؤمنين، والصد عن سبيل أحكم الحاكمين، كما قال أصدق الصادقين: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 20]، فيكون ما قص عنهم من قصصهم، وأخبر به من الضلالة عنهم، ومن الحيرة(2) والتكمه، والجهالة، والكفر والشقاق(3) والسفالة، وما سماهم به من ذلك ودعاهم؛ طبعاً(4) طبعهم به.
فهذا والحمد لله حجة فيما سأل عنه من الختم والطبع شافية، مجزية لمن أراد الحق من جميع الناس كافية. والحمد لله على توفيقه، ونشكره على تسديده.
__________
(1) في (أ): ضميرها.
(2) في (أ): الجراءة.
(3) في (ط): والنفاق.
(4) خبر يكون.(1/368)
وكذلك يقول المحقون، لا ما قال في الله المبطلون: إنَّه سبحانه ختم على الأسماع فلا تسمع، وعلى الأبصار فلا تنفع، وأنه على قلوب الكافرين طبع، ثُمَّ أمرهم بخلاف ما فعل بهم، وكلفهم فعل ما منه منعهم، وعنه سبحانه حجزهم، ثُمَّ عذبهم على ترك مالا يقدرون على فعله؛ لما قد حجزهم عنه به من طبعه وختمه، فتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وخسر المبطلون خسراناً مبيناً. تم جواب مسألته.
المسألة الرابعة عشرة:
الزيادة في المرض في قلوب المنافقين
ثُمَّ اتبع ذلك المسألة عن الزيادة، فقال: خبرونا عن الزيادة، فإن الله يقول: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة: 8 ـ 10]، وقوله لقوم: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ* فَمَا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ* فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَونَهُ} [التوبة: 76]، (ألستم تعلمون أن الله زاد هؤلاء(1) مرضاً، ومد آخرين في طغيانهم يعمهون، وأعقب قوماً نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه)(2)؟ فإن قالوا: نعم، ولكنه صنع ذلك بهم عقوبة بذنوبهم، فيقال لهم: فنعم، أفليسوا معذورين بما عملوا من معصيته حين فعل بهم ذلك؟ فإن قالوا: لا، فقل: فقد دخلتم فيما عبتم؛ إذ زعمتم أن الله يعذب قوماً على ما لم يستطيعوا تركه، لأنَّه فعل ذلك بهم. تمت مسألته.
جوابها
__________
(1) في (ط): زادها.
(2) سقط من (ب) سهواً.(1/369)
وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه، وتوهم فيه من التجوير له في فعله، فقال: خبرونا عن الزيادة التي ذكرها الله سبحانه، وعظم عن كل شأن شأنه، حين يقول سبحانه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ* يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ* فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}، وعن قول الله سبحانه: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ* فَمَا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ* فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَومِ يَلْقَونَهُ}.
فسنجيب إن شاء الله في ذلك من الجواب؛ بما يقبله ذووا الإنصاف والألباب، فنقول في ذلك على الله سبحانه بالصواب.(1/370)