ألم تر وتسمع أن أهل الجاهلية كانوا أرصن عقولاً وأعظم أحلاماً وأكثر أفهاماً من أهل هذا الدهر؟ ولذلك قالت قريش للرسول فيما كان يعيب من آلهتهم، ويبين لهم في ذلك من جهالتهم، فكانوا يقولون لعمه أبي طالب ومن قام معه دون رسول الله صلى الله عليه من أهل بيته وقرابته: عاب آلهتنا، وسخف عقولنا، وأطاش أحلامنا. فكانوا ذوي أحلام، وعقول جمة وأفهام، فكيف يكون من طبع على قلبه، على ما قد يسمعون عنه من فهمه؟ وكذلك كانوا يستمعون إلى الرسول إذا قرأ القرآن، ويقولون في قراءته كل قول، ويدبرون فيه التدبير(1)، ويسطرون فيما جاء به الأساطير.
من ذلك ما كان يقول ويتبعونه عليه من القول منهم الوليد بن المغيرة، اللعين، وكانوا له على كفره تابعين، حين تلا عليهم قول رب العالمين، فقال ما حكى الله عنه في سورة (( نون )) حين يقول: {فَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ* هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ* مَنَّاعٍ لِلْخَيرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ* عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ* أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ*إِذَا تُتْلَى عَلَيهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} [القلم: 10 ـ15].
__________
(1) في (أ): التدبر.(1/361)
وكذلك كان يقول الوليد الملعون: {إِنْ هَذَا إِلاَّ قَولُ البَشَرِ}[المدثر: 35]، ويقولون: {مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ} [المدثر: 35]،كما حكى الله في الكتاب المكنون، وقال فيهم ربهم، وذكر عنهم ومنهم، فقال سبحانه: {أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ* ثُمَّ تَوَلَّوا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ}[الدخان: 13]، ويسمعهم ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله يحاجهم به، ويقرأ القرآن عليهم، ويأمره الله سبحانه بذلك فيهم؛ فيقول: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ* وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}[الشعراء: 214]، وقال جل جلاله، وصدق في كل قول مقاله: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً}[المزمل: 10]، وقال: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} [الكهف: 28]. وقال: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا} [طه: 130].
فهل يقول أحد من ذوي العقول أن من كانت هذه حاله كان مختوماً على سمعه، ورسول الله صلى الله عليه وآله يناجيه ويناديه؟ وهل يجوز على الرسول أن ينادي ويناجي من سمعه مختوم؟ وكذلك كان نظرهم وإبصارهم فيما يأمرهم الله أن يبصروه من السموات والأرض، إذ يقول: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَالَهَا مِنْ فُرُوجٍ} [ق: 6]، فهل يجوز على الله أن يأمر بالإبصار من هو بالختم أعمى؟ فهذا مالا يجوز على ديان الآخرة والدنيا، ولن يقدر أحد أن يقول إنهم كانوا عمياناً لا يبصرون، وإنهم كانوا صماً لا يسمعون.(1/362)
ومن ذلك ما قد بان منهم مما كانوا عليه من الكمال، والمعرفة والعقول والتمييز في كل حال، فإن قالوا: إن الله طبع على قلوبهم وختم على سمعهم وأبصارهم عما جاء به الرسول من الحكمة والقول فقط، وخلوا وما سوى ذلك؛ فقد وقعوا في أعظم مما كرهوا من المهالك؛ إذ زعموا أن الله سبحانه ختم ـ عن شيء بعينه ـ على سمعهم وأبصارهم فلا يبصرونه ولا يسمعونه، وطبع على قلوبهم فلا يفقهونه ولا يميزونه، ثُمَّ أرسل نبيه صلى الله عليه وآله يدعوهم إلى مغالبته ونفي ما فعل بهم، وركب فيهم وتغييره ـ تعالى الله عن ذلك ـ وازاحته عن أنفسهم، إذ كان قد أرسله إليهم يدعوهم إلى الإيمان، والاهتداء والخير والبر والإحسان، والطاعة له ولنبيه والاستماع لأمرهما، والعمل بالقول وباللسان والضمير بطاعتهما؛ وقد علم أنهم لا يقدرون على ذلك، فنسب من قال بهذا؛ إلى الله العبث والاستهزاء بنبيه صلى الله عليه وآله، وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وآله أتاهم يدعوهم إلى المحال، ويأمرهم بالمغالبة والدفع لما فعل فيهم ذو الجلال.(1/363)
ألا تسمع كيف قد أثبت لهم الفهم بما يقال لهم، والمعرفة بما يتلى عليهم؛ في قوله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّل لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ} [محمد: 25]، فأخبر الله الواحد الجليل، فيما أوحى ونزل من التنزيل؛ أن الهدى قد تبين لهم، وصح لديهم وثبت في قلوبهم، ولولا سلامة القلوب من الختم الذي يذهب إليه الجاهلون، ويقول به على الله سبحانه الظالمون، لم يثبت أبداً في قلوبهم الهدى، ولو لم يثبت لم يبن، ثُمَّ أخبر الله ما سبب ارتدادهم في الطغيان، ومعصيتهم من بعد أن بين لهم ذلك الرحمن؛ فقال: {الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ}، ولم يقل: الرحمن ردهم وأضلهم، ثُمَّ أخبر بالسبب الذي كان عنهم؛ فتمكن ـ إذ قالوه ـ الشيطان منهم، فقال سبحانه: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ} [محمد: 26].
ثُمَّ أخبر بما يصيرون عليه عند موتهم؛ من ضرب الملائكة لوجوههم وأدبارهم؛ فقال: {فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} [محمد: 27]. ثُمَّ أخبر لم فعل ذلك بهم، وحتم عليهم بضرب الملائكة لوجوههم وأدبارهم؛ فقال: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهُ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 28]. ثُمَّ قال: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا} [محمد: 10].(1/364)
أفيظن أحد ممن وهب لباً، وتمييزاً وعلما؛ أن الله سبحانه أوجب ما أوجب عليهم، وذكر ما ذكره عنهم، وأمرهم بالمسير في الأرضين، والنظر في آثار الأولين؛ ممن هلك بما هم عليه من الكفران؛ وبما يختارونه من الفجور والعصيان، ولم يجعل لهم إلى ذلك سبيلاً، ويركب إليهم فيه دليلاً، وهم لا يقدرون على ذلك لما قد فعله بهم من الختم على أسماعهم وأبصارهم، والطبع على قلوبهم التي بها يعقلون، وبسلامته، يميزون ويفهمون؟ كذب العادلون بالله، والقائلون بالزور على الله، بل سلم ذلك لهم، ووفره(1) لإكمال الحجة عليهم، ثُمَّ أمرهم بالتسديد، وما ربك بظلام للعبيد.
ثُمَّ نذكر من بعد دفع هذه المهالك، ونشرح الصدق بما علمنا الله من ذلك؛ فنقول: إن معنى الختم والطبع من الله تبارك وتعالى هو على معنى التمثيل لهم، والتقريع واثبات الحجة عليهم، وتبيين ضلالتهم لهم، فيقول سبحانه: إن امتناعكم من قول الرشد وقلة قبولكم له كمن طبع على قلبه، بما منعه من لبه، وحرمه من تمييزه ونظره وجودة فهمه، وبما عدم من النظر، والغوصان في بحور الفكر؛ من البهائم التي قد منعها الله من ذلك كله، إذ لم يجعل لها عقولاً تميز بها، فلما أن لم يجعل لها سبيلاً إلى ما يناله البشر؛ من العقل والفهم والتمييز والنظر؛ كان ذلك منه فيها فعلاً، وكان منه طبعاً على قلوبها؛ عما فهمه من التمييز أربابها.
فمثلهم في قلة تفهمهم وإنصافهم لمعقولهم، وتركهم لرشدهم واتباعهم لغيهم؛ بمن طبع على قلبه، وختم ـ عن التمييز ـ على سمعه وبصره، عن أن تعلم ما يعلمون، أو تفهم ما يفهمون؛ من البهائم التي جعلت قلوبها على غير ما جعلت قلوبهم من ذلك، وختم عليها فكانت بهائم سوائم كذلك.
__________
(1) في (أ): وقرره.(1/365)