وأما المعنى الآخر: فهو الإرادة التي معها تمكين، وهو قوله سبحانه: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَاناً} [الإسراء: 23]، فكان قضاؤه في ذلك سبحانه، ما أمر به من أن لا نعبد معه غيره، وما أمر به من البر والإحسان إلى الوالدين، فأراد الله سبحانه من العباد ان يطيعوه، ويعملوا له بما ركب فيهم وأحسن به إليهم من الإستطاعات، وما أعطاهم من الآلات(1)، بالاختيار منهم لطاعته، والإيثار منهم لمرضاته، ليثيبهم على فعلهم، ويعاقبهم على تركهم. ولو أراد منهم الطاعة جبراً، وصرفهم عن المعصية قسراً؛ لكان كلهم جارياً في طاعته، تابعاً لمرضاته، ولم يكن المذنب الشاسع، أولى بالعقوبة من المهتدي الطائع، ولم يكن العامل بالطاعة، أحق بالثواب من عامل المعصية؛ إذ كانا كلاهما أدخلا في عملهما إدخالاً، واستعملا في إرادة الله استعمالاً.
__________
(1) في (ب): الآيات.(1/356)


فتبارك الله عن ظلم العباد، وتقدس عن القضاء بالفساد، الذي لم يطع كرهاً(1)، ولم يعص مغلوباً، بل أمر ونهى، وحذر وهدى، وعرف النجدين، وبين العملين، ثُمَّ أعطى كل شيء خلقه، وأعد للمطيعين الثواب، وللعاصين العقاب. ثُمَّ قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}[آل عمران: 102]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً} [النساء: 136]، فأمرهم سبحانه بالإيمان، وحضهم علىالتقى والإحسان، ونهاهم عن الكفر والطغيان، وعن جميع مالم يرد من العصيان، فقال سبحانه: {وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً} [الإسراء: 32]، وقال: {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151]، وقال: {لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا} [آل عمران: 130]، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْماً..} الآية[النساء: 10]، ومثل هذا في القرآن كثير. ولله الحمد بأبين البيان .
__________
(1) في (أ): مكرِها.(1/357)


فأمرهم بما أراد من طاعته، ونهاهم سبحانه عن معصيته، ثُمَّ قال سبحانه، من بعد أن أعطاهم من الاستطاعة ما أعطاهم، ثُمَّ أمرهم ونهاهم؛ فقال: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [الزلزلة: 7 ـ 8]، وقال: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدُ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} [النساء: 123]، ثُمَّ قال سبحانه: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ* فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ* وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ* فَسَلاَمٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ* وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ* فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ* وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ* إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ} [الواقعة: 88 ـ 95].
ثُمَّ قال؛ من بعد إكمال الحجة عليهم واثباتها فيهم: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً} [الكهف: 29].(1/358)


أفلا ترى كيف فرق بين ما كان منه فعلاً، وبين ما أمر به العباد أمراً؟ فلم يقل فيما حتم به عليهم حتماً، وما كان منه عليهم قضاء وحكماً؛ من الموت ولا من الخلق: موتوا، ولا: لا تموتوا، ولا: اخلقوا، ولا: لا تخلقوا. ولم يقل فيما أراده منهم فعلاً بتخيير واختيار؛ لعظيم المنة والإختبار: كل من قضينا عليه المعاصي عاص، كما قال: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} ولم يقل أمرنا وقضينا عليه بالعصيان، كما قال: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَينَا الْمَصِيرُ} [ق: 43]، بل أخبر أنَّه من ذلك بريء، فقال: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 28]، فتبارك الله الواحد الأعلى، الذي إذا أراد أن يفعل شيئاً كان بلا كلفة ولا إضمار، ولا تفكر ولا إظهار، ولا اضطراب، إذا أراده أوجده، وإذا أوجده فقد أراده، فقضاؤه كاثن، وفعله من أفعال العباد بائن، ليس له مثل ينال، ولا شبه تضرب له فيه الأمثال، وهو الواحد المتعال الصمد، الواحد الأحد الذي {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُؤاً أَحَدٌ} [الإخلاص: 3 ـ4]. تم جواب مسألته.
المسألة الثالثة عشرة: الطبع والختم(1/359)


ثُمَّ اتبع ذلك الحسن بن محمد المسألة عن الطبع والختم؛ فقال: أرأيتم من طبع الله على قلبه، وختم على سمعه وبصره، أهو ممن دعي إلى الإيمان، فيثاب على أخذه، ويعاقب على تركه؟ فإن قالوا: نعم، فقل: وكيف يقبلون الإيمان وقد ختم على قلوبهم، والله يقول: {سَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}[يس: 10]، فهل ضرهم الطبع و الختم؟ أم نفعهم؟ أم لم يضرهم ولم ينفعهم؟ فإن قالوا: إنَّما ختم على قلوبهم بكفرهم، فقل: هل ضرهم الطبع حين فعل بهم، وحال بينهم وبين التوبة والدخول في الإيمان؟ فإن قالوا: لم يضرهم، ولو شاءوا آمنوا، فالله قد كذبهم، واجترأوا على الرد على الله قوله، فقل: فتراهم حين طبع على قلوبهم لم يقبلوا الإيمان؟، فإن قالوا: فإنهم لا يقدرون على الإيمان حتى يفتح الله قلوبهم؛ فقد أقروا لله بقدرته، وانتقض عليهم قولهم، إذ زعموا أن الختم قد ضرهم، وأنهم يعذبون على ما كان من تركهم الإيمان، وأخذهم بالكفر بعد الختم، وعملهم بما لا يستطيعون تركه. تمت مسألته.
جوابها:
وأما ما سأل عنه من الطبع والختم من الله؛ فقال: أرأيتم من طبع الله على قلبه، وختم على سمعه وبصره، أهو ممن دعي إلى الإيمان؛ فيثاب على أخذه ويعاقب على تركه؟ فقولنا في ذلك على الله بالحق، إن الله لم يرد بذلك إذ قاله أنَّه طبع على قلوبهم بطبع لا يقدرون على الفهم معه، ولا أنَّه ختم على سمعهم ختماً لا يقدرون معه على السمع والاستماع، وعلى البصر فلا يقدرون على الإبصار والانطباع، وذلك فأبين الأمر وما لا ينكره من عقل.(1/360)

72 / 209
ع
En
A+
A-