قلنا لهم: قد سألتم، فاسمعوا ما به أجبتم، فكذلك بالعدل على الله نقول، وفي كل أمر نا فبه سبحانه نحول، وسنبين لكم إن شاء الله الجواب، ونشرح لكم ما تتكمهون(1) فيه من الارتياب، ونختصر ذلك لكم بما يقر في أفهامكم، ويثبت ـ إن كنتم للحق طالبين مريدين ـ في ألبابكم، فنقول: إن الله تبارك وتعالى افترض على خلقه فروضاً، وأوجب عليهم سبحانه أموراً، ثُمَّ أعطاهم ما بأقل قليله ينال أداء ذلك من الآلات، ويقتدر على أدائه متى قصد من الساعات، فجعل في أقلهم عقلاً من العقل ما ينال بأقل قليله تمييز ما أوجب الله عليه تمييزه، والاحاطة بما أوجب عليه الإحاطة به من معرفته، والاقرار بوحدانيته، والأداء لكل فرائضه، فساوى بين عباده فيما إليه يحتاجون، وله ـ في فرائضه ـ يستعملون، ثُمَّ زاد بعد أن ساوى بينهم في الحجة؛ من شاء فضاعف له العطاء والكرامة، وزاده في العقل والسلامة، كما زاد بعضهم بسطة في العلم والجسم، فليس لأحد على الله في ذلك حجة، إذ قد أنالهم من ذلك أكثر من البغية، إلا أن يكون(2) للمخلوقين عليه حجة؛ وفيما فضل به بعضهم على بعض من الجلد والطول والجمال والهيئة، والكمال والبياض والفصاحة، فكل ما أدخلتم علينا(3) فيما فضل الله به بعض الخلق على بعض من العقول، فواجب عليكم لنا أن تجيبونا به فيما بين البياض والسواد والقصر والطول، حذو المثال بالمثال، ليس لكم والحمدلله عنه تحرف ولا انتقال، إلا بأن ترجعوا إلى الصدق، فقد بان لكم والحمدلله الحق، فاتقوا إملاء الشيطان وتسويله، واغواءه وتخييله، ولا تكونوا من الذين قال الله فيهم: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ} [محمد: 25].
__________
(1) التكمة: التخبط في غير وجهة محددة.
(2) في (أ)، و(ط):لئلا يكون والصواب ما أثبته.
(3) في (ط): عليه.(1/351)


وسنضرب لكم ـ بقوة الله وحوله ـ في ذلك مثلاً يبين لكم أموركم، ويخامر نور حقه ضميركم وصدوركم: أرأيتم لو أن رجلاً له بيتان من حشيش، وله غلامان(1)، فدفع إلى أحد غلاميه شمعة واحدة متوقدة، ودفع إلى الآخر ثلاث شمعات، ثُمَّ قال لهما: ليحرق كل واحد منكما بما معه ما في أحد هذين البيتين من الحشيش، فهل ترون لصاحب الشمعة الواحدة، المتوقدة المتلهبة على مولاه حجة؛ في أن أعطى صاحبه ثلاثاً وأعطاه واحدة؛ فيقول لا والله؛ ما أقدر على أن أحرق بيتاً من حشيش بهذه الشمعة الواحدة، فأعطني ثلاثاً مثل صاحبي وإلا فلا حيلة لي في إحراقه.
وقد يعلم كل ذي عقل سوي، من رشيد أو غوي؛ أن الذي يكفي هذا الحشيش من هذه الشمعة لفحة واحدة، وأنه ومن(2) معه ثلاث شمعات، وعشر، وواحدة(3) في القدرة على إحراق ما أمر باحراقه، وانفاذ أمر سيده فيه (سواء)(4)، فهل تقولون لسيده: كلفته وصاحبه إحراق بيتين؛ من حشيش متساويين، ثُمَّ كلفته إحراقه بشمعة واحدة، وكلفت صاحبه إحراق بيته بثلاث؛ فأعطه ثلاثاً وإلا فقد كلفته ما لا يناله بهذه الواحدة ولا يطيقه؟ فأنت له في ذلك ظالم، وعليه بفعلك هذا متحامل.
أم تقولون للعبد: أنت مخطيء في فعلك، جاهل في قولك، فأنت تنال بهذه من حشيشك مثل ما ينال صاحبك بشمعاته في حشيشه، والأمر في قليل النار وكثيرها، عند تأججها والتهابها سواء، لا حجة لك على مولاك؛ فيما كلفك وأعطاك؟
__________
(1) في (ب): عاملان.
(2) في (ط): وأن من.
(3) في (ب): و(ط): واحد.
(4) ليس في (ب) و(ط).(1/352)


فكذلك ـ ولله الحمد ـ الأمر فيما أعطى الله العباد من حجته؛ فيما فضل به من شاء من بعد ذلك من خليقته، فأما من سلب عقله من المجانين والأطفال، فلم يوجب الله عليهم الأعمال، بل أزاح ذلك عنهم، ولم يوجبه عليهم. وحالهم في وقتهم ذلك عند الله فَحَالٌ لا يسألهم فيها عما افترض من الأعمال حتى يفيقوا، ومما هم فيه يخرجوا، ويبلغ الأطفال من الفهم ما يصح لهم به التمييز، ويخرجوا من حال الطفولية والصغر، إلى حال القوة والكبر. وفي ذلك ما قال الرسول صلى الله عليه وآله: (( رفع القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يعقل )).
والحمدلله العدل في فعله، الرحيم بخلقه، الذي كلف يسيراً، وأعطى عليه كثيراً. تم جواب مسألته.
المسألة الثانية عشرة:
الإرادة، هل إذا أراد الله شيئاً كان أم لا؟
ثُمَّ اتبع ذلك المسألة عن الإرادة، فقال: أخبرونا عن الارادة، إذا أراد الله شيئاً، يكون؟ أولا يكون؟ فإنه قد قال: {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [هود: 107. والبروج: 16].
فإن قالوا: نعم، قيل لهم: وهل(1) أراد الله أن يدخل خلقه كلهم في الهدى؟ فإن قالوا: نعم، قد أراد أن يدخلوا كلهم في الهدى على غير جبر منه ولا إكراه، فيقال لهم: فهل دخلوا في الهدى كما أراد، على غير وجه الجبر منه لهم والاكراه؟ تمت مسألته.
جوابها
وأما ما سأل عنه من إرادة الله سبحانه، فقال: إذا أراد الله شيئاً يكون؟ أو لا؟ فإنه قد قال الله: {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} [هود: 107، والبروج: 16]، فكذلك قولنا في خالقنا، ومصورنا وبارئنا، ومميتنا ومحيينا، سبحانه وجل وتقدست أسماؤه، كما قال في نفسه: {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ} فكل ما شاء أن يفعله سبحانه فعله.
ثُمَّ نقول، من بعد اثبات القدرة للرحمن، ونفي التشبيه والتجوير عنه في كل ما شأن: إن الإرادة من الله على معنيين، نيرين ـ عند من علمه الله وفهمه ـ بينين.
__________
(1) في (أ): فقل: فهل.(1/353)


فأحدهما(1): إرادة حتم وجبر، والآخر(2): إرادة أمر، معها تمكين وتفويض.
فأما إرادة الحتم فهي: ما أراد من خلق السموات والأرض والجبال وما أنبت من الأشجار {وَالْخَيْلَ وَالبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَالاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 8]، وما أراد سبحانه من قضاء الموت على خلقه، من جميع أهل سماواته وأرضه والذهاب والفوت، فقال سبحانه: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّونَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الغُرُورِ} [آل عمران: 185]، وقال: {كُلُّ مَنْ عَلَيهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذِي الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ} [الرحمن: 26]، فأخبر بما حكم به على خلقه، وبما ألزمهم في ذلك وأوجبه عليهم من حتمه؛ فقال: {قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [الجاثية: 26]، وقال لنبيه صلى الله عليه، إخباراً منه بما حتم عليه: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر: 30].
ومن ارادة الحتم التي أراد الله فعلها ففعلها؛ قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنُّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَينِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا} [فصلت: 11ـ12]، فكان قضاؤه فيهن؛ خلقه سبحانه لهن، حين أراد إيجادهن فأوجدهن وصورهن، وأوحى ما شاء فيهن من أمرهن.
__________
(1) في (ب، ط): فإحداهما.
(2) في (ب، ط): والأخرى.(1/354)


ومن ذلك ما يقول الواحد الجبار، ذو الملكوت الغفار: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} [الزمر: 42]، فذكر أن الموت منه، وأنه يقضي به ويبديه، فكان هذا منه في خلقه إرادة حتم، ليس لأحد فيها منهم فعل.
ومن ذلك ما قال الله سبحانه: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ} [ق: 16]، فأراد خلقه فخلقه. وقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [الحجرات: 13]، فأخبر عن نفسه؛ بما أرد أن يجعله منهم فجعله، وصوره وأوجده، كما قال: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82].(1/355)

71 / 209
ع
En
A+
A-