{فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلاَلاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [النحل: 114]. فرزق ذو المن والسلطان والجبروت والبرهان كل عبد ما أحل له، وأمره بأخذه، فأما ما نهاه عن أكله، وعذبه في قبضه؛ فليس ذلك ـ لعمرهم ـ من رزقه، وكيف يجوز على ذي الجلال والجبروت أن يجعل لعباده رزقاً وقوتاً به يعيشون، وفيه يتقلبون؛ ثُمَّ ينهاهم عن أخذ ما أعطاهم، وإليه ساقهم وهداهم؟
فهذا والحمد لله لا يغبى، على من وهبه الله علماً، وآتاه تمييزاً ولباً.
والحمدلله رب العالمين، وصلى الله على محمد خاتم النبيين، وعلى أهل بيته الطيبين. تم جواب مسألته.
المسألة الحادية عشرة:
العقول، هل هي مقسومة؟ وهل المعرفة فعل الله أو فعل الإنسان؟
ثُمَّ أتبع ذلك المسألة عن العقول، فقال: خبرونا عن العقول، أمخلوقة هي أم غير مخلوقة؟ فإن قالوا: مخلوقة، فقل: أمقسومة هي بين العباد أم غير مقسومة؟ فإن قالوا: بل هي مقسومة، فقل: فأخبرونا من أين عرف بعض الناس الهدى فأخذ به، وجهله بعضهم فتركه، وكلهم حريص علىالهدى كاره للضلالة، راغب في العلم مبغض للجهالة، وقد زعمتم أن الله قد جعل سبيلهم واحدا، وعقولهم واستطاعتهم واحدة، وهي حجة الله عليهم؟
فإن قالوا: بتوفيق من الله، فقد أجابوا: وإن قالوا: أخذ هداه منهم من أحب، وتركه منهم من اتبع هواه، وأطاع إبليس إلى دعائه، قيل لهم: فما صير بعضهم تابعاً لهواه؟ والعقول فيهم كاملة مستوية؟ فإن قالوا: بتوفيق من الله وفق من شاء منهم، فقد أجابوا، وإن قالوا: فضل الله بعضهم على بعض فقد صدقوا، وإن قالوا غير ذلك، فقد كذبوا، لأنَّه(1) لو كان الناس في العقول سواء؛ ما كان من الناس جاهل وعاقل، وأحمق وحليم، ولسمي الجاهل عاقلاً، والعاقل جاهلاً، ولكن(2) الأمر في هذا أبين من ذلك، ولكنهم قوم يجهلون.
__________
(1) في (ط): إلا أنه.
(2) في (أ): ولكان.(1/346)


وإن قالوا ذلك من قبل الأدب والتعليم؛ فقل: لو كانت عقولهم مستوية؛ ما احتاج بعضهم إلى بعض في أدب ولا تعليم. تمت مسألته.
جوابها
وأما ما عنه سأل وقال، مما ألحد فيه من المقال، فقال: أخبرونا عن العقول أمخلوقة هي مقسومة؟ أم غير مخلوقة ولا مقسومة؟ فنحن، والحمدلله، نقول: إن الله خلق العقول وأوجدها فيهم، وجعلها حجة له عليهم، وسببها لهم سبحانه وتعالى تسبيباً، وركبها فيهم ـ احتجاجاً عليهم ـ تركيباً، فهي حجة الله العظيمة، ونعمته على خلقه الكريمة، تدعو أبداً إلى الخير والهدى، وتنفي عن الخلق الضلالة والردى، تدل على الخالق ذي الجلال، وتنفي عمن أراد الحق التكمه والضلال، فهي أبداً لمن استعملها داعية إلى الإسلام، مخرجة له من حنادس(1) دياجير الظلام، ثُمَّ قسمها سبحانه بين خلقه، ليدلهم على ما أوجب عليهم من حقه، فأعطى كل من أوجب عليه أداء فريضة منها أكثر مما يحتاج إليه في أداء ما افترض عليه، فليس منهي يجب عليه عقاب، ولا مأمور يجب له ثواب؛ إلاَّ وقد ركب الله فيه من العقل وقسم له وعليه أكثر من الحاجة في أداء مفترضه، وما يخرجه بحمد الله إن استعمله من جهالته. ثُمَّ أمرهم باستعمال ما أعطاهم؛ من الحجة المركبة فيهم، واخبرهم أنهم إن لم يستعملوها؛ لم يصلوا إلى علم ما لعلمه أعطوها، فأمرهم أن يستعملوها فيفكروا، وينظروا ويميزوا ويتدبروا، فإذا فكروا وميزوا بتلك الحجة التي لن يضل معها طول الأبد، إن أنصفها بحمدالله من أحد، ولذلك ما قاله، جل جلاله عن أن يحويه قول أو يناله: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ} [الحشر: 9]، يقول: انظروا بأبصاركم، ثُمَّ دبروا فاعتبروا بعقولكم، فيما ترون وتبصرون، هل له من خالق غير الله فيما تعلمون؟! كما قال سبحانه: {أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [الطور: 43]، وقال: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ
__________
(1) الحندس: الليل الشديد الظلمة.(1/347)


السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ} [الزخرف: 29]، وقال: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ* قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ* وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [القصص: 71ـ 73]، ثُمَّ قال تنبيهاً لهم وحثاً على استعمال العقول، ليصح لهم الحق من القول إذا نظروا؛ وفيما ذكر الله مما أراهم وفطر لهم تفكروا، فقال الله سبحانه: {حم* تَنْزِيلُ الكِتَابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الجاثية: 1ـ5]، فقال في أول السورة: لآيات لقوم يؤمنون(1) يقول: يصدقون بما يرون، وينصفون العقل فيقبلون منه ما عليه يدلهم حين يبصرون ويستبصرون، في الحق، ويستدلون على الله بما ذرأ من الخلق، فيكونون بذلك مؤمنين، ولله بالخلق(2) والقدرة مقرين. ثُمَّ قال: {لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}، فأخبر أنَّه قد ذرأ وجعل لهم؛ من الدلالة عليه في خلق أنفسهم؛ ما بأقل قليله على خالقهم يستدلون، وبأنه الله الذي لا إله إلاَّ هو يوقنون. ثُمَّ كرر الدلالة لهم والاحتجاج عليهم بذكر ما أنزل
__________
(1) في (ط): للمؤمنين.
(2) في (أ) و(ب): بالحق.(1/348)


من السماء من رزق، فأحيا لهم به الزروع، وفرع به في الأصول الفروع، ثُمَّ كرر الاحتجاج والتوقيف لهم والتعريف؛ فذكر تصريف الرياح، وما يكون فيها وبها من الألقاح، فقال: {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَومٍ يَعْقِلُونَ}، فتتابعت الآيات متناسقات، بما فيهن من العبر والدلالات، حتى وصل(1) إلى قوم يعقلون، فأخبر بذلك أن كل ما ذكر لا يعلم، ولا يخبر ولا يفهم؛ إلاَّ بما ركب وجعل لهم فيه من حجة العقل، فقال سبحانه احتجاجاً عليهم، وتنبيهاً في ذلك كله لهم؛ بما خلق، من الأبصار التي لا ينتفع بها في التذكرة إلاَّ بالألباب، وحثا على استعمال الألباب في كل الأسباب: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ} [ق: 6ـ8]. يقول: توفيقاً لهم وتعريفاً واحتجاجاً على ذوي العقول.
وقال: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ} [الحشر: 2]، فخص بالأمر بالاعتبار ذوي الأبصار.
__________
(1) في (أ) و(ب): وصلن.(1/349)


وقال سبحانه: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]، فنظر قوم وفكروا، وعقولهم في ذلك انصفوا، فأبصروا واهتدوا، وعرفوا الحق فرشدوا. وأنكر قوم وخالفوا؛ ما تفرع لهم من المعقول فجحدوا، فعاقبهم الله على ذلك من فعلهم، وأضلوا أنفسهم بمكابرة عقولهم، وأبطلوا النظر، واتبعوا الخبر(1)، فاتبعوا الهوى، وتركوا الهدى، وتعلقوا بالأخبار المنقولة الكاذبة، ورفضوا ما فيهم من حجة الله الصادقة، فبذلك عندوا، وأنفسهم بالتخير منهم أهلكوا. فليس للعباد على الخالق من حجة يحتجون بها، ولا متعلق ولا طلبة في ذلك يطلبونها، بصرهم وهداهم، وركب فيهم ما كفاهم، وبعث إليهم المرسلين، مبشرين لهم ومنذرين، فأمروهم ونهوهم؛ وعذابه حذروهم، وإلى ثوابه دعوهم، وأروهم عجائب الآيات، واحتجوا عليهم بالدلالات، {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيْعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 42].
فهذا قولنا في ربنا، وشرحنا لما احتج به سبحانه علينا.
فإن قالوا وبما ندفعه ـ إن شاء الله بحقنا ـ تعلقوا: ألستم تزعمون، وبغير شك تقولون: إن الله قسم العقول بين خلقه، وجعلها له حجة فيهم، نعمة أنعم بها عليهم، وأيادي أكملها لديهم، ثُمَّ تقولون أنَّه افترض عليهم فروضاً؛ فجعلها عليهم كلهم شرعاً سواء، إن أدوها أثيبوا، وإن تركوها عوقبوا، ثُمَّ تقولون ونقول: إن ذلك لا ينال إلاَّ بالعقول، وقد نرى اختلاف العقول في الناس أجمعين، فنعلم أنهم فيها متفاضلون، وأن ليس هم فيها على القسمة متساوين؟ فأين ما تحوطون من عدل رب العالمين، وقد ساوى بين عباده فيما افترض عليهم، وجعل ذلك سبحانه سواء فيهم، ثُمَّ فضل بعضهم على بعض فيما لا ينال أداء ما فرض من الطاعات، ولا يوصل إلى تمييز شيء من شيء إلاَّ به من الآلات؛ من العقل الرصين، والفهم المبين؟.
__________
(1) في (ط): الجبر.(1/350)

70 / 209
ع
En
A+
A-