فكيف يقول الحسن بن محمد: إن الله رزق هؤلاء الظالمين، المعتدين الفاسقين رزقاً؛ ثُمَّ صيره لهم، وسلمه في أيديهم؛ ثُمَّ يعذبهم عليه، ويحاسبهم فيه؟! أم كيف يجترئ ويقول: إن الله رب العالمين، والسموات والأرضين(1)؛ جعله لمن حكم له به من ضعفة المسلمين، ثُمَّ انتزعه منهم؛ فجعله رزقاً لِلَّعَنَاء(2) الفاسقين دونهم؟ فكيف يكون ذلك والله سبحانه يقول: {كَيلاَ يَكُونَ دُولَةً بَينَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ}؟ أولم يسمع من ضل وغوي، فقال على خالقه بالقول الردي؛ الله سبحانه كيف يقول في الوحي المذكور، في كتابه المنير المسطور: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَونَ سَعِيراً} [النساء: 61]، فعلم أن في خلقه من سيأكل أموال اليتامى عدواناً وظلماً، فنهاهم عن ذلك وحرمه عليهم، وحكم بعذاب السعير لمن استجاز ذلك فيهم. أفيقول المبطلون إن الله سبحانه جعل أموال اليتامى؛ لمن نهاه عن أكلها رزقاً، ثُمَّ نهاهم عن أكل ما رزقهم وآتاهم؟! لقد قالوا على الله كذباً، وضلوا ضلالاً بعيداً.
__________
(1) في (ط): والأرض.
(2) في (ب)، و(ط): للأغنياء.(1/341)
ثُمَّ قال جل جلاله، وصدق في كل قوله مقاله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ}، فحكم للأنثى بجزء وحكم للذكر بجزئين، ثُمَّ قال: {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوقَ اثْنَتَينِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ} [النساء: 11]، فما يقول من ضل وعمِي، وجار وشقي؛ إن وَصِيٌّ تعدى، وفي المخالفة تردى، فحرم بتعديه الوالد، ومنع من ميراث أبيه الولد، وأخذ ذلك فأكل به واكتسى، وشرب وتزوج ولها، هل يكون ذلك عندهم له من الله رزقاً رزقه إياه؛ وقد يسمعون حكم الله به للورثة دون من أخذه واصطفاه؟ فقد أبطلوا بذلك حكم الرحمن، ونقضوا ما نزل سبحانه في الفرقان(1). وإن قالوا: بل أخذ ما ليس له حقاً، وأكل من ذلك ما لم يجعله الله له رزقاً؛ كانوا في ذلك بالحق قائلين، وعن قول الباطل والمنكر راجعين.
__________
(1) في (أ): القرآن.(1/342)
ثُمَّ يقال لهم: ما تقولون فيمن غصب مالاً فأخذه، وتعدى فيه وسرقه، فأكله حراماً وشربه، أتوجبون عليه الزكاة فيه؟ أم توجبون رده إلى صاحبه عليه؟ فقد يجب عليكم في قياسكم وقولكم أن تقولوا: إنَّه رزق له رزقه الله إياه، وقدره له وآتاه، ولولا ذلك لم يأخذه، ولم يقدر على أكله وشربه، ولا على الانتفاع به، فإن كان كما تقولون وإليه تذهبون؛ أن كل ما غصبه غاصب، أو أخذه من المال آخذ(1) غصباً، فهو من الله له بتقدير وعطاء ورزق(2)، فلن يجب عليه أبداً رده، ولا أن ينازعه فيه ضده، بل هو أحق به من كل مستحق، وهو له ملك(3) بتمليك الله له إياه وحق، فأمروه فليؤد ما أوجب الله؛ على أهل الأموال في الأموال من الزكاة، والحج والإنفاق في سبيل الله، والافاضة على كل من سأله ورجاه.
ألا تسمعون كيف يقول الله ذو الجلال، وذو القوة والقدرة والمحال، حين يقول: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ} [آل عمران: 97]، والسبيل فهو: الجدة(4) مع صحة الأبدان؛ من مانعات حوادث الأزمان، فعند المقدرة والسلامة والأمان؛ يجب فرض الحج على كل إنسان. وهذا ـ في أصل قولكم، وما تذكرونه من رأيكم ـ؛ بما قد حوى وأخذ من المال الحرام، مستطيع لحج بيت الله الحرام؛ قادر على ذلك بما أخذ من أخيه، وأخرجه بالغصب والغلبة من يديه، إذ تزعمون أن كل ما أخذ وأكل وشرب ولبس فهو رزق مقسوم، ومن الله جل جلاله عطاء لعباده معلوم.
__________
(1) في (ط): أَخْذاً.
(2) في (أ): تقديراً وعطاء ورزقاً.
(3) في (أ): مالك.
(4) وجد المال وجدا بالحركات الثلاث، وجدة: استغنى.(1/343)
وقال الله سبحانه: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43ـ83، 110. والنساء: 77. والنور: 56. والمزمل: 20]، فلا شك أن الزكاة تجب فيما رزق الله العبيد من رزق إذا بلغ ما تجب فيه الزكاة وتقع، فليتصدق، وليقرض الله قرضاً حسناً مما في يديه، فإن الله يقول: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} [الحديد: 18]، ولن يقبل الله إلاَّ الحلال،ولن يضاعف إلاَّ لمن أنفق مما ملك من الأموال. فإن كان هذا له من الله عطاء فأمروه فلينفذ ما أمره الله به، وليؤد ما عليه فيه، وازجروا(1) عنه المطالب له به؛ الذي أخذه غصباً من يديه، واستأثر به عليه(2).
وإن قلتم: لا يجب عليه فيما في يديه من هذا المال المغصوب حق، ولا يلزمه فرض، وأوجبتم على أنفسكم أخذه من يده، ورده على صاحبه، وقلتم: لا يكون إلاَّ ذلك، والحق فكذلك؛ فقد أزلتم عنه ملك ما غصب، وحرمتم(3) عليه منه ما أكل، وأقررتم أن ما أخذ من ذلك فأكله وشربه ليس له من الله رزقاً، ولا نائلاً ولا عطاء، وأن عليكم أن تأخذوا ما في يديه من المال؛ فتردوه إلى من كان له من الرجال، وتضمنوه ما أتلف منه، وتوجبوا عليه إن كان أخذه من دار، أو بيت او حرز أو قرار؛ ما أوجب عليه الواحد الجبار؛ من القطع، فإنه يقول سبحانه: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38].
فيا سبحان الله! ما أبين الحق وأنور الصدق، فلو كان الله رزقه ما أكل مما سرق وغصب لما أوجب عليه أن يقطع الحاكم يده في أن أخذ ما أعطاه ربه وآتاه، وأكل ما به غذاه، فسبحان البعيد من ذلك، الصادق في قوله، العدل في جميع أموره وفعله.
__________
(1) في (ط): وانهروا.
(2) في (أ): بعد هذا ما لفظه: من كل مستحق، وهو له مالك بتمليك الله له إياه وحق.
(3) في (أ): وحزتم.(1/344)
فإن هم من بعد ذلك سألونا فقالوا: هل يقدر أحد أن يأكل غير ما رزقه الله؟
قيل لهم: إن مسألتكم هذه تخرج على معنيين، وتنصرف في وجهين:
فإن أردتم أن كل شيء مما بث الله وأخرج رزق للعباد، فكذلك لعمري هو؛ لأن الله قد سماه ـ في الجملة ـ بذلك، فقال: {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ} [ق: 9ـ 11]، يقول سبحانه: أخرجنا به مالاً يخرج من الحب والأكل إلاَّ بالماء. وقال: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [الواقعة: 63]. وقال: {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيتُوناً وَنَخْلاً وَحَدَائِقَ غُلْباً وَفَاكِهَةً وَأَبّاً مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} [عبس: 25ـ 32]، فقال: شققنا الأرض شقا، يريد شققناها عن النبات الذي يخرج منها؛ من الحب والفواكه وغيره وفلقناها فلقاً. والأبّ: هو الحشيش والعشب؛ الذي تأكله الأنعام، وينبت في الأودية والجبال والآكام، {مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ}، يقول: بلاغاً لكم ولأنعامكم، إلى وقت انقضاء آجالها وآجالكم، فرزقناكم فواكه وحَباً، ورزقنا أنعامكم عضاهاً(1) وأباً، فكل ما أخرج الله فقد سماه لأهله ومن يملكه رزقاً، فهو رزق لمن أجاز الله له أكله، وأحل له أخذه، وأمره عليه بشكره، فقال: {كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [البقرة: 6]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172]، وقال:
__________
(1) العضاه: كل شجر يعظم وله شوك.(1/345)