ويقال للجهلة الضالين من المشبهين المجبرين(1): ما قولكم في قول ربكم، وما مخرج ذلك عندكم، حين يقول سبحانه: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ} [الأنفال: 67ـ 69]، ما أراد الله بهذا من قوله؟ أليس هذا عتاب منه لرسوله؟ يخبره أنَّه لم يكن ينبغي له أن يأسرهم، ولا يطمع أصحابه في التشاغل بأخذهم، دون الإثخان لهم بقتلهم، ثُمَّ قال سبحانه وجل جلاله وعز سلطانه: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا} [الأنفال: 67ـ 69]، يريد بذلك ما أخذوه منهم وفيهم من الفداء. ثُمَّ قال: {وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 67ـ 69]، يقول: والله يريد منكم الاجتهاد في أمر الآخرة وما يقربكم إليه، ويزيد في كرامتكم لديه. ثُمَّ قال: {لَولاَ كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [الأنفال: 67ـ 69]، يقول: لولا حكم من الله سبق بالعفو عنكم؛ في وقت أسركم وترككم الاستقصاء في قتل عدوكم؛ لمسكم فيما أخذتم من غنائمهم وفدائهم عذاب عظيم، فتبارك الله الحليم الكريم. فأخبر الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله أنَّه قد فعل ما كان غيره أحب إلى الله وأرضى، ولم يتعمد صلى الله عليه وآله لله في ذلك إسخاطاً، بل لعله توهم أن الأسر في ذلك الوقت أنكأ، وللكافرين أذل وأشقى، حتى أعلمه الله أن القتل في وقت قيام الحرب كان أنفع، وعلى الإسلام وأهله بالخير أرجع.
__________
(1) في (أ): المتحيرين.(1/336)
أفيقول الحسن بن محمد وأشياعه، ومن كان على الجهل من أتباعه؛ إن آجالهم كانت قد جاءت فدفعها رسول الله صلى الله عليه وآله عنهم، فعاب الله عليه ما فعل من دفع وفاتهم، وتأخير ما كان الله قد جاء به من حضور أجالهم؟ أم يقولون إن آجالهم لم تأت ولم تحضر، وقد بقي لهم من الحياة زمان وأعصر، وإنه قد كانت لهم مدة باقية، وأرزاق دارَّة غير فانية؛ فلم يستطع رسول الله صلى الله عليه وآله أن يقطع مالم يقدر على قطعه من آجالهم، وأن يبيد ما قد بقي من أعمارهم، فلامه الله إذ لم يفعل مالم يستطع، ويبيد ويقطع من ذلك ما لم ينقطع، فلا بد أن يقولوا بأحد هذين المعنيين، وأن يتقلدوا وينتحلوا أحد هذين القولين؛ فيكونوا بانتحال أحدهما كافرين، وفي دين الله سبحانه فاجرين، أو يقولوا على الله ورسوله بالحق، فيقروا أن رسول الله صلى الله عليه وآله ومن كان معه من الخلق كانوا يقدرون على قتلهم، والإثخان لهم وترك أسرهم، فلامهم الله في ذلك إذ هفوا، وولهوا(1) فلم يفعلوا. تم جواب مسألته.
المسألة العاشرة: الأرزاق هل هي مقدرة، ومن قدرها؟
ثُمَّ أتبع ذلك المسألة عن الأرزاق، فقال: أخبرونا عن الأرزاق، من قدرها؟ ومقدرة(2) هي؟ أم غير مقدرة؟ ومقسومة هي؟ أم غير مقسومة؟.
__________
(1) في (أ): ولهوا فلم.
(2) في (أ): أمقدرة.(1/337)
فإن قالوا: نعم، هي مقدرة ومقسومة؛ فقد انتقض قولهم، فقل لهم: فهل يستطيع أحد أن يأخذ إلاَّ رزقه؟ أو يأخذ إلاَّ ما قسم الله له. (فإن قالوا: لا، فقد انتقض قولهم، وإن قالوا: نعم، فقل: فكيف ذلك؟)(1) فإن قالوا: إن الله خلق الأموال والأطعمة والأشربة فذلك رزقه، وبين لهم حلالها ومأخذها، فإن أخذوها من باب الحلال كانت حلالاً، وإن أخذوها من باب الحرام كانت حراماً، فقل لهم: أفهم يأخذون لأنفسهم ما شاءوا؟ فأيهم شاء أن يكون غنياً مكثراً كان؟ وأيهم شاء ان يكون فقيراً معدماً كان؟ فإن قالوا: نعم، كذبوا، لأن الناس كلهم حريص أن يكون غنياً، وكاره أن يكون فقيراً، وقد قال الله سبحانه خلافاً لقولهم: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: 32]، وقال: {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [النحل: 71]، في آي كثيرة من كتاب الله سبحانه.
تمت مسألته.
[جوابها]
__________
(1) سقط من (ط).(1/338)
وأما ما سأل عنه الجاهلون، وتوهم في الله المبطلون، أن الله الواحد الخلاق حرم على عباده أرزاقاً رزقهم إياها، وتفضل عليهم بها، فرزقهم رزقاً وآتاهم، ثُمَّ عاقبهم على ما أعطاهم، وأنه لا يأكل أحد ولا يلبس ولا ينتفع إلاَّ بما رزقه الله وآتاه، وصير إليه بما قدره له وأعطاه، فقالوا في ذلك بتجوير الرحمن، ونسبوه إلى الظلم والعدوان؛ فقالوا: إنَّه يطعم ويرزق عباده طعاماً، ثُمَّ يكتبه عليهم حراماً، فيوجب عليهم ـ على قبول ما أعطاهم ـ العقاب، ويحرمهم ـ بأخذ ما صير إليهم ـ الثواب. وقد وجدناه سبحانه يكذبهم في قولهم، ويبين ذلك لنا ولهم؛ بما قسم بين عباده من الأرزاق، ورفق عليهم من الأرفاق. من ذلك ما حكم به من الغنائم والصدقات، وما جعل من ذلك لذوي المسكنة والفاقات، فقال سبحانه: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ} [التوبة: 60]الآية، فحكم بذلك، لمن سمى من أولئك، فحرمهم ذلك الفاسقون، وأكله ـ دونهم ـ الظالمون، فشربوا به الخمور،وركبوا به الذكور، وأظهروا به الفجور، وأصروا على معاصي الله إصراراً، وجاهروا الله بالمعصية في ذلك جهاراً، فأعد الله لهم على ذلك النيران، وحرمهم ثواب الجنان.(1/339)
وكيف يقول الحسن بن محمد ذو الغفلات، ومن تبعه من ذوي الجهالات: إن الله سبحانه رزق هؤلاء الظالمين هذا،وقد حكم به في كتابه للفقراء والمساكين؟ وقال الله سبحانه: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذَوِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال: 41]، فحكم بذلك لنفسه ولرسوله وقرابة نبيه، ومن سمى من اليتامى والمساكين وابن السبيل في تنزيله، فاستأثر به الفاسقون عليهم، ولم ينفذوا ما جعل الله من ذلك لهم، بل دحروهم دحراً، ونصبوا لهم دونه العداوة سراً وجهراً، وقد جعله الله لأوليائه رزقاً، وحكم لهم به حكماً حقاً، فغلب عليه الفاجرون وظلموهم فيه ظلماً. قال سبحانه: {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْلاَ يَكُونَ دُولَةً بَينَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقَابِ} [الحشر: 7].
فكان الذي أتى به صلى الله عليه وآله؛ ما أنزل الله في وحيه من فرائضه، وقسمه فيه في أوليائه من خلقه(1)، فخالف على ذلك الفاجرون، ورفضوا ما جاء به خاتم النبيين؛ من الله رب السموات والأرض(2)، فجعلوه دولة بين أغنيائهم، وحرموه من جعله الله له من فقرائهم، عماية وصمماً، ومجاهرة لله وظلماً، فأخذوا ما جعل الله لغيرهم، وتعدوا ما حكم الله به فيهم. ولا يشك من كان لبه سالماً، وكان بأمر الله عالماً، أنهم على ذلك معذبون، وأنهم على مخالفته(3) فيه مسؤولون.
__________
(1) في (أ): فيه بين خلقه.
(2) في (أ): من رب العالمين.
(3) في (أ): مخالفتهم.(1/340)