وإن قالوا: نحن نقول إن السلطان هو قتله بما قتل، ولم يمكن الولي تركه أبداً، لأنَّه إذا وجب السلطان فقد انقطعت حياته، وحلت وفاته؛ فلم يقدر(1) على تخلية سبيله، ولا بد للولي من أن يقتله بقتيله. قيل لهم: فأين قول الله جل جلاله، وتقدس عن أن يحويه قول أو يناله: {فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة: 178]، فما معنى عفي؟ وإن جحدوا القرآن وأبطلوه كفروا، وإن سلموا للحق فقالوا: يمكنه العفو والصفح، وأن يتصدق بذلك ويهبه، ويأخذ الدية ويتركه، قيل لهم: يا سبحان الله العظيم! ما أشد تناقض قولكم، وأفحش ما تجيئون(2) به من مذهبكم ورأيكم!! ألستم تقولون في أصل مقالتكم أنَّه لا يوقف ولا يقدر عليه، ولا ينال منه [ولا فيه القود](3) حتى ينقطع أجله، فحينئذ يقتله من أطلق له قتله؟ وأنه إذا سلم إلى صاحبه فقد انقطع أجله، وذهبت أيامه، فكيف إذاً يقدر ولي القتيل على تركه والعفو عنه؟ وعلى تخلية سبيله يعيش ويأكل، ويظل يمشي ويقعد، ويورد ويصدر، ويقبل ويدبر؛ وهو قد انقطع أجله، وذهبت أيامه، وفنيت أرزاقه؟ أيقدر هذا على أن يعفو؛ والعفو يكون به للقاتل الحياة، وتزول عنه الوفاة؟ فكيف يقدر على ذلك وقد انقطع عنه ـ بزعمكم ـ أجله، وذهب عمله، وفني رزقه، وكتب الله عليه موته؟ كذب العادلون بالله وقالوا ظلماً، واستحقوا بذلك عند الله إثماً، وجعلوا أمور الله كلها عبثاً وهزؤاً.
__________
(1) في (أ): يقدر أحد.
(2) في (أ)، و(ب): ما تجيؤن.
(3) سقط من (ب)، و(ط).(1/331)


ويقال لهم: ما تقولون في قول الله سبحانه: {وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [البقرة: 61]، فسمى الله الجليل قتلهم لكل من قتلوا من قتيل عصياناً، وذكره منهم جوراً وعدواناً، فما قولكم في ذلك؟ وما تدينون به وتعتقدون؟ أتقولون إن قتل الفاسقين لمن قتلوا من المؤمنين(1) كان بأمر من رب العالمين، وقضاء منه على الكافرين؟ ولو كان ذلك كذلك لوجب لمن أنفذ قضاء ربه؛ أجزل الثواب على فعله وأمره، وقد وعدهم الله على ذلك النيران، وألزمهم في ذلك اسم العدوان، وهذا أعظم الكفر بالرحمن، وما لم يقل به عليه الشيطان.
وإن قلتم: بل كان ذلك لمن فعله فعلاً، ومنهم على المؤمنين اعتداء؛ انتقض قولكم، ورجعتم إلى الحق في الله والصدق.
ويقال لهم: إذا(2) زعمتم أن الأجل انقطع بأمر الله، وأن الله جاء به، وأن انقطاعه من عنده؛ فمن جاء بالقاتل حتى قتل المقتول؟ ألله جاء به وقضاه عليه وأدخله فيه؟ أم إبليس أغواه وزين قتله لديه؟.. فإن زعمتم أن الله جاء بأجله وبقاتله لينفذ ذلك من علم الله فيه؛ فقد زعمتم أن الله جاء بالظلم والعدوان، وأدخل العبد في العصيان، فإن كان ذلك عندكم كذلك فعلام يعذب الله الإنسان؟ إذ كان ـ في قولكم ـ الله جمعهما على العصيان، والظلم والبهتان.
__________
(1) في (أ): النبيئين.
(2) في (أ)، و(ب): إذ.(1/332)


ويسألون فيقال لهم: ألستم تزعمون أنَّه لن تخرج نفس أحد، من حر ولا عبد؛ حتى يأتي أجله، ويستوفي أمله وكل عمله؛ وذلك من الله زعمتم، فما تقولون في رجل ضرب بسكين، ضربة واحدة في نحر عبد مسكين؛ فمات وأنتم تنظرون، فما الذي أوجب الله عليكم من الشهادة؟ أتشهدون أنَّه قتله؟ أم تقولون: بل نشهد أنه(1) وجأه(2) وجرحه، ولا ندري من قتله؟ أم تقولون: إن ربه الذي أتلفه؛ لأنَّه جاء بأجله، ولو لم يأت بأجله لدامت حياته وطال عمره، ولم يكن الجرح ليرزأه(3)؟ فهكذا تقولون؟ أم عليه ـ بتاً(4)ـ بالقتل تشهدون؟ فإن شهدتم بالقتل أصبتم، وإن قلتم غير ذلك أحلتم. وماذا تحكمون على هذا الذي رأيتموه؛ وجأ نحر المقتول وفهمتموه؛ وقامت عليه بذلك شهود، وكلهم عند الإمام عدل محمود؟ أترون وتحكمون بقتله (كما قتل)(5)؟ كما قال الله سبحانه: {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45]؟، أم تجرحونه جرحاً مثله؛ فإن مات فذاك، وإن سلم تركتموه، لعلمكم أن الذي قتل الأول هو مجيء أجله، وفناء أيامه وانقضاء أمله، وتخلون عن هذا لما له من تأخير الأجل، وطول الرزق والأمل؟ لقد أبطلتم إذاً حكم ربكم، وفضحتم أنفسكم لأهل(6) ملتكم.
ويسألون أيضاً عمن قتل نفسه بيده، أقتلها وهي حية في بقية من أجلها، أم ميتة قد انقضى أجلها؟ فإن قالوا: قتلها وهي حية في أجلها؛ فقد أقروا أنَّه كانت له بقية فقطعها بيده، قلت البقية أم كثرت. وإن قالوا: قتلها بعد أن فني أجلها؛ فكل ما فني أجله فهو ميت لا شك عند فناء أجله، وقتل ميت ميتاً محال.
فلله الحمد على ما هدى إليه من الحجة والمقال، وبه الحول في ذلك والقوة، وله الجبروت والقدرة.
__________
(1) في (أ)،و(ب): أم تشهدون أنه.
(2) وجأه بالسكين: ضربه.
(3) الرزء: المصيبة.
(4) البت: القطع، والمعنى تشهدون يقيناً أنَّه قتله.
(5) ليس في (أ).
(6) في (أ): عند أهل.(1/333)


ويقال لهم: ويحكم! قال الله سبحانه: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ} [الإسراء: 31]، وذلك أن المشركين كانوا يقتلون أولادهم خشية الفاقة والعالة والفقر؛ فنهاهم الله عن ذلك، وأخبرهم أنَّه يرزقهم وإياهم كما خلقهم، فكيف نهاهم عن قتل من قد جاء أجله وحان موته؟ وكيف يرزقهم وقد أفنى ـ بزعمكم ـ أرزاقهم؛ بما جعل في قتل آبائهم لهم من انقطاع آجالهم؟ وكيف نهاهم عن قتل من ليست له حياة، ولا بد أن تحل به الوفاة؟ فلقد أمرهم إذاً أن يحيوا من قد أمات، وأفنى أجله ففات. فأي قول أشنع من هذا القول في الله الكريم؟! فسبحان الممهل الحكيم(1)!.
__________
(1) في (أ)، و(ب): الحليم.(1/334)


وقال سبحانه لرسوله صلى الله عليه وآله: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} [النساء: 102]، أفتقولون إن الله سبحانه أمر نبيه أن يعبئ أصحابه فرقتين: فرقة تؤدي معه صلاة الفريضة، وفرقة تحرس النبي وأصحابه وتلقى الكريهة؛ وليس في ذلك منفعة ولا خير، ولا دفع ما يخاف من التلف والضير؛ من ميل العدو على المؤمنين ميلة واحدة، فيكون في ذلك ما يخاف من الواقعة(1)؟ وأن ما أمر الله به من الاحتذار والحذر غير نافع له ولا لأصحابه، وأن آجالهم إن كانت قد جاءت قتلهم أعداؤهم، احترسوا أم لا، وإن لم تكن جاءت لم يقدروا عليهم، ولو ألقوا بأيديهم إليهم. فهذا من قولكم أعظم التخطئة لربكم، وأجهل الجهل لنبيكم، لقد أبطلتم إذاً كتاب الرحمن، وقلتم شططاً وبهتاناً.
__________
(1) في (أ): الوقيعة.(1/335)

67 / 209
ع
En
A+
A-