ففي قليل مما احتججنا به من عدل الله ما كفى، عن إعادة ما ذكرنا أولاً، وشفى والحمدلله عن التطويل وأغنى، غير أنا لا نجد بداً إذا كرر وسال، من أن نشرح ونفسر كل ما يقوله من المقال، وإذا احتج بالمحال أبطلناه، وإذا عارض الحق بالباطل دمغناه،(1) كما قال مولانا لا مولاه: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى البَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الوَيلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 18]، وقال في تولي المحقين وخذلان المبطلين الضالين: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَولَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ} [محمد: 11]، يقول سبحانه: لا ولي ولا متولي، ولا مرشد لهم ولا كافي.
تم جواب مسألته.
المسألة التاسعة: عن الآجال
ثُمَّ أتبع ذلك المسألة عن الآجال فقال: خبرونا عن الآجال، من وقتها؟ أموقته هي؟ أم غير موقته؟ فإن قالوا: الله وقتها؛ فقد أجابوك، فقل: هل يستطيع أحد أن يزيد فيها أو ينقص منها؛ إن شاء عجلها عن وقتها، وإن شاء أخرها؟ فإن قالوا: لا، فقد انتقض عليهم قولهم، وإن قالوا: نعم، فقل لهم: فقد زعمتم أن الناس يستطيعون أن يقدموا ما أخر الله، ويؤخروا ما قدم الله، وهذا هو التكذيب لما جاء من عندالله، وذلك قوله: {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المنافقون: 11]. تمت مسألته.
جوابها
أما ما سأل(2) عن الآجال فقال: هل يستطيع أحد أن ينقص منها، أو يتعدى فيقطع ويتلف بعضها؟ وزعم أن ذلك لا يكون أبداً، ولا يقدر عليه أحد أصلاً، ولا ينال أحد على أحد تعدياً.
__________
(1) في (ط): دفعناه.
(2) في (ب): وسأل.(1/326)


فقول أهل الحق أجمعين، والله سبحانه على ذلك المعين، أن الله وقت لعباده آجالاً، وضرب(1) لهم في أمورهم أمثالاً، وجعل فيهم قدرة على أن يقتل بعضهم بعضاً، فمن شاء خاف ربه في كل حال واتقى، ومن شاء كفر وظلم وأساء، وجار في فعله وخالف واعتدى. ألا تسمع كيف يقول رب العالمين؛ لجميع من أمره من المأمورين: {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151]؟ فنهاهم عن قتل النفس إذ علم أنهم عليه مقتدرون، وفي ذلك ـ ولله الحمد ـ مطلقون وله مطيقون، ولو لم يعلم أنهم كذلك، ولا أنهم يقدرون على شيء من ذلك؛ لما نهاهم عنه، ولا حذرهم منه؛ لأن نهي الإنسان عن الطيران؛ مستحيل في اللغة واللسان، وعند كل من عرف البيان.
__________
(1) في (ط): وصرف.(1/327)


ولقد فرق الله بين فعل عباده في ذلك وبين فعله، وبين سبحانه لهم كل أمرهم من أمره، فقال سبحانه: {وَجَآءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ} [ق: 19]، فأخبر أن سكرة الموت، وورود ما ينتظر من الفوت؛ من الله لا من الخلق، فصدق الله إن الموت يأتي بالحق، وينزل بما وعد من الصدق، فسمى ما كان منه حقاً وحكماً، وما كان من عباده الظلمة عدواناً وظلماً، ولو كانا من الله شرعاً سواء؛ لذكر الله أنهما منه جميعاً حقاً. وقال جل جلاله: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [آل عمران: 157]، ففرق بين القتل والموت، فكان القتل من عباده فعلاً، والموت منه عز وجل حتماً. وقال: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِفْ فِي القَتْلِ إِنَّه كَانَ مَنْصُوراً} [الإسراء: 33]، فقال: {قُتِلَ مَظْلُوماً} فأخبر بقوله: (( مظلوماً )) أن له قاتلاً ظلوماً عنيداً، {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46]؛ فإن كان قتل بأجله؛ فأين الظلم ممن قد استوفى كل أمله، وفنيت حياته، وجاءت وفاته، وفنيت أرزاقه، وانقضت أرفاقه(1). فما يرى إذاً ذو عقل للقاتل في مقتول(2) فعلاً، ولا عليه تعدياً ولا قتلاً، ولا جناية ولا ظلماً، ولا يرى له حاكم عليه حكماً، أكثر من جرح إن كان جرحه، أو وكز إن كان وكزه؛ لأن قاتله ومفني أرزاقه، ومبيد ايام حياته؛ هورب العالمين، في قول الجاهلين. ولو كان ذلك كذلك؛ لنجا القاتل من المهالك، ولم يكن على من جرح إنساناً متعمداً(3) جرحاً فقتله؛ أكثر من أن يجرح جرحاً مثله ويخلى، فإن مات منه مضى، وإن برئ منه فقد سلم ونجا، وكذلك قال الله: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45]، فما معنى قوله: {النَّفْسَ
__________
(1) في (ط): أرماقه.
(2) في (أ): المقتول.
(3) في (ب): متعدياً.(1/328)


بِالنَّفْسِ} عندهم؟ وماذا يقع عليه حقاً ظنهم؟ أشيء سوى إخراج نفسه من جسده، كما أتلف وأخرج نفس صاحبه بجرحه؟ ولو كان كما يقولون؛ لكان واجباً على الحكام إذ يحكمون؛ أن يقتصوا منه لأولياء المقتول جرحاً، ويخلوا عنه بعد ذلك ولا يطلبون لنفسه تلفاً ولا قتلاً، فإن انقطع أمله وحان أجله مات، وإن لم يحن أجله ونجا(1) من القتل والفوات؛ فيكون(2) قد اتوا على ما قال الله في قوله: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}، لا، بل أراد سبحانه من ولي الأمر إخراج نفسه، وإتلاف روحه وقطع عمره ليجد غب(3) ما اكتسب من فعله.
وقال سبحانه: {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً}، فما هذا السلطان الذي جعله الله لولي المقتول، عند من قال بهذا البهتان والزور من القول المخبول(4)؟!. فلا يجدون بداً ـ ولله الحمد ـ من أن يقولوا: إنه ما جعل الله له من القتل عليه، وأطلقه له فيه بجناية يديه؛ فله أن يقتله إن شاء، وإن شاء أخذ الدية أو عفا.
ثُمَّ يقال لهم: هل جعل الله له سلطاناً على ما يقدر إذا شاء عليه؛ ام على ما لا يصير أبداً إليه؟ فإن قالوا: على ما يقدر عليه؛ فقد رجعوا عن مقالتهم، وتابوا إلى الله من جهالتهم. وإن قالوا: على ما لا ينال؛ أبطلوا كتاب الله ذي الجلال، ونسبوه سبحانه إلى الإستهزاء، وقول الزور في ذلك والردى.
__________
(1) في (أ): نجا، على أنها جواب الشرط، وبالواو على أن الجواب: فيكون.
(2) في (أ): فيكونون.
(3) غب كل شيء: عاقبته.
(4) المخبول: الفاسد.(1/329)


ثُمَّ يقال لهم: هل يقدر أحد من المخلوقين؛ على قتل أحد من المربوبين؛ وإن كان لم ينقطع أجله، ولم يفن في ذلك أمله، ولم يبلغ المدى الذي جعله الله مداه، وصيره له أجلاً وجعله منتهاه؟ فإن قالوا: يقدر على ذلك منه؛ بما جعل الله من الاستطاعة فيه؛ فقد تركوا قولهم وقالوا بالحق، ورجعوا وقالوا على خالقهم سبحانه بالصدق، وإن هم قالوا بخلاف ذلك؛ فقد أبطلوا ما جعل الله لولي المقتول من السلطان، وأكذبوا الله فيما أنزل من البرهان.(1/330)

66 / 209
ع
En
A+
A-