ثَلاَثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِراً وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً } [الكهف: 21ـ 22]. (وقال سبحانه: {مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيكَ} [الطور: 1ـ3]، وقال: {مِنْ نَبَأِ مُوْسَى وَفِرْعَونَ} [النحل: 89]) (1)، فأخبر نبيه صلى الله عليه وآله بما كان من قول أهل بلدهم فيهم، وقص عليه قبل ذلك ما كان من فعلهم في أنفسهم رحمة الله عليهم، واعتزالهم إلى الكهف، واخلاصهم لله دينهم(2)، ثُمَّ أمره بأن لا يماري فيهم إلاَّ مراء ظاهراً وكتمه عدتهم، ثُمَّ قال: {قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ}، ففي كل ذلك يخبر(3) أنَّه لم يعلمه صلى الله عليه وآله، ولم يخبره في كتابه من أخبار من مضى، وفات في قديم الدهر وانقضى؛ إلاَّ باليسير من القصص دون الكثير، ويدل على أن ما لم يقص عليه من أخبار الأمم الماضية، والحقب الخالية(4)؛ أكثر مما قص وأعظم، وأطول وأطم، وكل ذلك فدليل؛ من الله في واضح التنزيل؛ على أن ما ذكر الله من الزبر، التي فيها كل ما فعله العباد مستطر؛ غير هذه الكتب التي ذكر فيها جزءاً، وترك ولم يذكر بعضاً، لأن ما جمع فيه كل شيء؛ بخلاف ما جمع فيه بعض شيء؛ إذ نصف الشيء أو بعضه، خلاف الشيء كله.
__________
(1) مابين القوسين ثابت في النسخ، وقد تقدم، وليس هذا موضعه.
(2) في (أ): دينه.
(3) في (أ): يخبر بعلمه.
(4) في (أ): الفانية.(1/321)
فأما الكتب التي ذكرها الله في كتابه، ونزل فيها ما نزل من وحيه وقرآنه، فهي ما أقسم به سبحانه حين يقسم فيقول: {وَالطُّورِ* وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ* فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ} [الطور: 1ـ3]، وقوله: {وَأَنْزَلْنَا عَلَيكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89]، وقوله: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ* فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ* لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَرُّونَ} [الواقعة: 77ـ 79]، وقال سبحانه فيما حكى عن مؤمني الجن إذ صرفهم إلى نبيه يستمعون منه القرآن، فقال: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ* قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَينَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأحقاف: 29ـ30]. فهذا وما كان مثله في القرآن، من ذكر الكتاب والكتب هو ما أوحى الله ونزل سبحانه، مما قص فيه من أخبار خلقه وما أراد، وترك ما لم يرد من أخبار العباد.
ثُمَّ نقول ـ من بعد شرحنا ما اراد الله في قوله: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ} ـ : إن هذه الزبر، وإن الاستنساخ، وإن الكتاب الذي يخرج لهم فيه أخبارهم، وما كان من أعمالهم؛ فهو كاللوح المحفوظ، واللوح والكتاب والزبر عند رب الأرباب؛ فهو: العلم المعلوم، المحيط بالملك المفهوم، الذي لايزل شيء من الأشياء عنه، ولا يخرج ـ ولله الحمد ـ منه، وهو علم الله، العالم بنفسه، المتقدس عن شبه خلقه. وإنما يحتاج إلى كتاب المعلومات مَنْ يَكِلُّ علمه(1) في بعض الحالات، فأما رب الأرباب؛ فهو محيط بكل الأسباب.
__________
(1) في (أ): عمله. وهو سهو.(1/322)
فكل ما عمل الخلق فهو في العلم مستطر، والمستطر فمعناه(1): معلوم مختبر، يوقفهم في يوم حسابهم عليه، فيعرفونه طراً لديه، فلا يضل عن أفهامهم؛ بقدرة الله شيء من أعمالهم، {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [الزلزلة: 7ـ8]،وقال: {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً} [الكهف: 43]، وقال لقمان لابنه، وهو يعظه: {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 16].
وقال في ذلك رب العالمين: {وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47]، فأخبر أنهم يلاقون؛ كل ما كانوا يفعلون، وأن ذلك كله، صغيره وكبيره؛ مثبت في الزبر عنده، وكل هذه الأسباب؛ تدل على أن الزبر خلاف ما نزل من الكتاب.
***
ثُمَّ قال: إن أثبتوا أن أفعال العباد شيء، فسلهم: من خلق ذلك الشيء؟
فنحن ـ بحمدالله ـ نقول، وعليه منا المعمول: إن خالق كل شيء عامله، وعامله ففاعله، قال سبحانه: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 14]، فسمى العاملين خالقين، وقال شاعر من فصحاء(2) العرب (3):
ولأنت تفري ما خلقت وبعـ… ـض القوم يخلق ثُمَّ لا يفري
يريد: أنك (4) تتم ما دخلت فيه وصنعته، وتكمل كل ما قمت به وعملته، وغيرك لا يصدر إذا أورد، وأنت تصدر حين تورد.
__________
(1) في (ب)، و(ط) هكذا: العلم المستطر أي فمعناه.
(2) في (ب): من شعراء.
(3) البيت لزهير بن أبي سلمى المزني، الشاعر الجاهلي المعروف، وحكيم الشعراء في الجاهلية، أحد شعراء المعلقات السبع والحوليات، توفي قبل الهجرة بثلاث عشرة سنة.
(4) .في(ب): أنت.(1/323)
وقد ترى من يفسد ويسرق، ويكذب ويفسق، فهل يقول الحسن بن محمد، في ذي الجلال خالقه، أنَّه المتولى لذلك الفعل دون فاعله،؟ فيكون قد قال بخلاف قول الله(1)، ورد في ذلك كله على الله؛ حين يقول: {أَفَرَأَيْتُمْ مَاتَحْرُثُونَ* أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ}[الواقعة: 63]، فميز بين الحرث والزرع، فجعل شق الأرض وحرثها وتسويتها وبذرها لهم فعلاً، وجعل إخراجه وفلق حبه وزرعه وتقويته له فعلاً؛ فقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى} [الأنعام: 95]، وكذلك تقول العرب للغلام ـ إذا أرادت له الخير والإكرام ـ: زرعك الله زرعاً حسناً، تريد: بلغك وأنبتك نباتاً حسناً، قال الله سبحانه: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً}[آل عمران: 37]، يريد أنشأها وكبرها وغذاها، فأحسن بأرزاقه غذاءها.
وقد يكون من هذه الأشياء التي هي أفعال: الزنى وشرب الخمر وارتكاب الرذائل(2)، فماذا يقول الجاهلون في هذه الأشياء، من فعلها عندهم؟ الخالق؟ أم المخلوق؟ ومن أظهرها وأوجدها؟ الرب؟ أم المربوب؟ فتقدس وتعالى ذو الجلال عما يقول المبطلون.
بل، ما يقول ـ ويحه وويله من الله سبحانه وهَوْله(3)ـ في هؤلاء المجوس الذين أقاموا لأنفسهم ناراً، وبنوا لها ـ تعظيماً وإجلالاً ـ داراً، ليلهم ونهارهم يؤججونها ويوقدونها، وهم في ذلك من دون الله يعبدونها، أهم أجترأواعلى الله فيما فعلوا؟ أم الله أدخلهم في عبادة ما عبدوا؟.
__________
(1) في (أ): ما قال الله.
(2) في (أ)، و(ب): الردى.
(3) في (أ)، و(ب): وغوله.(1/324)
فإن قال: بل فعله المجوس الأنجاس، وتعدى به على الله العصاة الأرجاس، فقد أصاب الجواب، وأجاب في ذلك بالصواب، وإن قال: إن الله فعله وأدخلهم فيه، وقسرهم على ذلك وأجبرهم(1) عليه؛ فقد زعم أنهم يصبحون ويمسون لله مطيعين، وفي مرضاته سبحانه ساعين، إذ هم في قضائه وإرادته متصرفون، (وفيما أدخلهم فيه داخلون، وعما صرفهم عنه من طاعته منصرفون)(2).
بل، فليخبرنا أهل هذه المقالة، من أهل المحاربة لله والضلالة، ما الذي يجب عليهم، ويرضونه في أحبابهم وفيهم، إذا رأوا مجوسياً يشتم الرحمن؟ التغيير عليه أم الإقساط إليه والإحسان؟
فإن قالوا: بل يجب علينا(3) التغيير والنكير؛ إن نحن سمعنا شاتماً يشتم الرحمن اللطيف الخبير.
قيل لهم: لم ذاك، وأنتم تزعمون في أصل قولكم؛ أنَّ الله الذي فعل أفعالكم وأفعالهم دونكم؟ فيجب ـ في قولكم ـ أن الشاتم بريء من شتمه، وأن الله سبحانه الشاتم دون المجوسي لنفسه؛ إذ زعمتم أن ذلك فعل الله دون مخلوقه وعبده، فلئن كان عليه اللّه بذلك قضى؛ فما قضى إلاَّ بما أراد سبحانه وارتضى، أفتنكرون على المجوس المؤتمرين؛ بما(4) أراده منهم رب العالمين؟ لقد ـ إذاً ـ سخطتم من الله ما ارتضى، ورضيتم له من ذلك ما لم يرد ولم يشأ، بل الواجب في ذلك على كلكم، إن كان القول في الله كقولكم؛ تكرمة المجوس والإحسان إليهم؛ إذ قد قاموا لله بما قضى به عليهم، فهم لله ـ في قولكم ومذهبكم ـ مطيعون، وأنتم ومن قال بقولكم لله سبحانه عاصون؛ إذ أنتم لما أراد منهم ولم ينكره عليهم منكرون، وأنتم لهم ظالمون، وعليهم بالمنكر متحاملون.
__________
(1) في (أ): وجبرهم.
(2) ما بين القوسين سقط من (ب).
(3) في (ب)، و(ط): عليه.
(4) في (أ): العمل بما.(1/325)