ثُمَّ نقول: إن بين أفعال الله وأفعال خلقه فرقاً بيَّناً (1)؛ وإنه واضح في الخلق، عند من أراد معاني الحق، فأفعال الله متتابعات متلاحقات في كل شأن، وأفعال المخلوقين، ذوي العجز المربوبين؛ فغير متلاحقات، بل هن عن التلاحق عاجزات، وآخر أفعال الله بأولهن لاحق، وأولهن لآخرهن غير سابق؛ فأفعال الخالق موجودات معلومات، ثابتات متجسمات، وأفعال الخلق فزائلات غير موجودات، بل هن في كل الحالات معدومات (2)، وفي ذلك والحمدلله من البيان؛ ما فرَّق عند ذوي العلم والإتقان، بين أفعال الخالق ذي البقاء والجلال، وبين أفعال الخلق ذوي الفناء والزوال.
ألا ترى وتسمع كيف أكذب الله من نسب أفعال العباد إلى ربه؟ فأكذبه سبحانه ونفاها عن نفسه، حين يقول: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}؟ [الأعراف: 28]، وقال: {وَيَومُ القِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر: 60].
__________
(1) في (أ، ب): فرق بين.
(2) يعني أن أفعال الخالق هي الأجسام وهي المفعولات، وأفعال العباد هي الحركات وهي أعراض لاثبوت لها في الخارج، فمثلاً في قوله تعالى: {والله خلقكم وما تعملون} اللّه خلق المفعولات وهي الحجارة التي تنحت منها الأصنام وحركات النحت هي فعلهم وهي أعراض، كما يتضح في قوله تعالى: {ما جعل اللّه من بحيرة..} الخ، ولله در الإمام ما ألطف استخراجه وأدق احتجاجه.(1/316)
أفظن من جهل وعمي أن الله فعل كذبهم عليه؛ ثُمَّ رماهم به، وقال إنهم قالوه فيه؟ فمن يا ويحه إذاً الكذوب المبطل، الظالم المتعدي الغشوم المدغل (1)؟ من قال وفعل؛ أم من لم يقل ولم يفعل؟ أما سمع الحسن بن محمد قول الجليل، وما حكى في أوضح التنزيل، عمن ظلم وجار وأساء، وفعل فعلاً ثُمَّ رمى به إلهه واعتدى، ممن سلك مسلكه وتبعه، وشرع في ذلك مشرعه، فسن لقريش سنة اتبعتها، واقتدى جميع العرب بها، فبحر لهم البحائر(2)، وسيب لهم السوائب(3)، ووصل لهم الوصائل(4)، وحمى لهم الحام(5)، فكانوا على ذلك حتى ظهر الإسلام، وأكرمهم الله بمحمد عليه السلام، فقال اللّه سبحانه في ذلك، ونفى عن نفسه ما رموه به من ذلك، وألزمهم فعله، وبرأ منه تبارك وتعالى نفسه، فقال: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [المائدة: 103]. أفترى الحسن بن محمد ومن استجهله فقال بقوله وذهب مذهبه يقولون لله ـ إذ نفى ذلك من فعلهم عن نفسه ـ بل أنت فعلته فيهم، وخلقته وركبته لديهم، وأدخلتهم فيه وقضيته عليهم؟ لقد كذبوا إذاً الرحمن العلي الأعلى، وصدقوا قريشاً الجاهلية الجهلاء، وكفروا بالله كفراً يقيناً، واحتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً.
ففي هذا والحمدلله من الحجة كفاية، لمن كانت له بالحق من الحلق عناية.
__________
(1) الْمُدْغِل: ذو الدغل، وهو الذي في كلامه فساد وريبة.
(2) جمع بحيرة، وهي: التي تشق أذنها.
(3) جميع سائبة، وهي: التي تسيب للألهة ولا تذبح.
(4) جمع وصيلة، وهي: التي تلد ذكراً وأنثى فتصبح وصيلة.
(5) الحام: الفحل من الإبل، إذا ولدت أنثاه عشرة بطون فيترك ولا يذبح ويحمي ظهره فلا يحمل عليه.(1/317)
ومما يحتج به على الحسن بن محمد من المقال، ويدحض به قوله المحال، أن يقال له: إذا كنت تزعم أن الله خلق هذه الحركات التي هي من أفعال العباد؛ من أخذ وإعطاء، وحذو واحتذاء، ولبس وارتداء، وقول ومقال، وزور ومحال، فلا نشك نحن ولا أنت ولا أحد علم شيئاً أو فهم، أن قريشاً بنت بـ(نخلة) (1) العزى، وثقيفاً بالطائف اللات، فزينوهما بالجواهر والعقيان، ثُمَّ عبدوهما وجعلوهما قَسَماً من دون الله (( الرحمن ))(2)، ومن ذلك ما جعلت ونحتت، وأقامت ونصبت؛ على الكعبة وفيها قريش من الأصنام، وما كانوا يجلون ويعظمون ويذبحون لهبل وأشباهه عند بيت الله الحرام، فيقول الحسن بن محمد: إن الله تعالى بنى لهم اللات والعزى، وأمرهم بعبادتهما والقسم دونه بهما، وإنه أقام لهم تلك الأصنام، وأضل بها كل من ضل بها من الأنام، وعظمهن وذبح ـ جل عن ذلك ـ لهن، وقرب تلك القرابين إليهن؟ لعمرو الحسن بن محمد وأتباعه، وأهل البدعة من أشياعه، لو كان الله خلق وفعل أفعال الفاعلين؛ لكان العابد ـ دون من عبدهن ـ لهن، فلذلك يلزم من قال ذلك ـ بلا شك ـ بهذا القول الكفر؛ إذ يقولون: إن الله فاعل أفعال قريش دونها، وفاعل كل ما فعله من الفواحش غيرها، فلم يا ويحه إذاً بعث محمداً إليهم؛ يعيب ذلك عليهم؟! لقد بعثه إذاً يعيب عليه فعله(3) دونهم، ويبطل ما صنع، ويخفض ما رفع، (وقريش)(4) إذاً كانت لله مطيعة، وفي مرضاة خالقها ماضية سريعة فيما فعل، معظمة مجلة لما أجل، ومحمد لله في فعله مضاد، وفي كل قضائه محآد. فلقد ـ إذاً ـ هدم محمد صلى الله عليه وآله ما بنى الرحمن، وعانده وخالف عليه في كل ما شاد(5)
__________
(1) اسم موضع.
(2) ليست في (أ)،و(ب)، وجعلها في (ط) بين قوسين هكذا (الرحمن).
(3) في (أ): فعلهم. ولعله سهو.
(4) ليست في (أ)، و(ب): والمعنى على سقوطها: لم بعث محمداً يعيب عليهم فعلهم إذا كانوا مطيعين.
(5) في (أ)، و(ب): كل ما شأن. أي في كل شان و((ما)) زائدة.(1/318)
. فهذا أكفر الكفر، وأعظم الفرية على الله والإمر. فسبحان من هو بريء من عصيان كل عاص، وطغيان كل مفتر طاغ.
تم جواب مسألته.
المسألة الثامنة: هل أفعال العباد شيء؟ ومن خلقها؟
ثُمَّ أتبع ذلك الحسن بن محمد المسألة عن الأعمال، فقال: خبرونا عن الأعمال التي عمل بها بنو آدم، أشيء هي؟ أم ليست شيئاً؟.. فإن قالوا: بل هي شيء؛ فقل: من خلق ذلك الشيء؟ فإن قالوا: الله خلقه؛ انتقض عليهم قولهم،! وإن قالوا: ليس ذلك مخلوقاً؛ كان ذلك شركاً بالله وتكذيباً لكتابه، لأن الله سبحانه خالق كل شيء؛ فقل لهم: ألم تعلموا أن أفعال بني آدم شيء؛ فإن قالوا: نعم، فقل: والله خلقها؛ فإن قالوا: ليست بشيء! فقل لهم: فقد زعمتم أن الله يثيب على غير شيء، ويعذب علىغير شيء، ويغضب من غير شيء، ويرضى من غير شيء، ويدخل الجنة بغير شيء، ويدخل النار بغير شيء.
تمت مسألته.
جوابها
وأما ما سأل عنه من أفعال العباد، فقال: أشيء هي أم غير شيء؟ وقال: إن كانت شيئاً فمن خلقها؟ وإن لم تكن شيئاً فهل يعذب أو يثيب الله على غير شيء؟ .
فإنا نقول، وإلى الله سبحانه نؤول: إنَّها شيء وأشياء، وطاعة وعصيان، وإساءة وإحسان، ألم تسمع الله سبحانه يقول: {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً أَنْ دَعَوا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً} [مريم: 89ـ 92]، فسمى تحرك ألسنتهم بما قالوا من الكذب والافتراء شيئاً، ثُمَّ أخبر بأن السموات لو كان فيهن من العقول والتمييز ما فيكم؛ لانفطرن لإعظام ما جاء من قولكم. وكذلك لو أن الجبال كان فيها بعض ما ركب من الفهم فيكم؛ لخرت لإعظام اجترائكم على الخالق بما به اجترأتم.(1/319)
وقال سبحانه: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ} [القمر: 52]، فسمى أفعالهم شيئاً، فقد أوقع في الزبر، والزبر هي: الكتب. وقد قال ابن عباس: إن الزبر التي ذكر الله أن أفعالهم فيها هي هذه الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه؛ من التوراة والإنجيل، والفرقان الكريم الجليل. ونحن فنقول: إن الزبر هي: الكتب التي ذكر الله في قوله: و{وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيكَ حَسِيباً} [الإسراء: 13ـ 14]، وفي قوله: {هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية: 29]. فهذه التي ذكر الله من الكتب عنده، وأنه يظهرها يوم دينه وحشره؛ هي: الزبر التي ذكر الله أن أفعالهم فيها، لا ما قال ابن عباس من أنها هي المنزلة على أنبيائه، من توراته وإنجيله، وما نزل على محمد من فرقانه، ألا تسمع كيف يقول: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ} [القمر: 52ـ 53]، وهذه الكتب المطهرة، من التوارة والإنجيل والفرقان المكرمة؛ ففيها بعض ما فعل العباد، وكثير منها لم يقص خبره، ولم يذكر جل جلاله أمره، كما قال ذو العزة والأياد، ورافع السماء وداحي الأرض ذات المهاد: {مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ} [غافر: 78]، وقال: {نَتْلُوا عَلَيكَ مِنْ نَبَأِ مُوسَى وَفِرْعَونَ} [القصص: 3]، يريد: نقص عليك بعض خبرهما، وما كان من محاورتهما وأمرهما. وقال سبحانه في اهل الكهف، وما كان من سؤال قريش للنبي عنهم، فقال الله في ذلك: {إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَينَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً سَيَقُولُونَ(1/320)