ففي هذا والحمدلله من الجواب، ما أزاح من قلب ذي الشك التحير والإرتياب، وثبَّتَ ـ في إيجاد النار ـ الحكمة لرب الأرباب.
تم جواب مسألته.
المسألة الخامسة:
هل يستطيع الإنسان أن يجهل مايعلم أم لايستطيع؟
ثُمَّ أتبع ذلك المسألة عن المعرفة، فقال: هل يستطيعون أن يجهلوا ما جعلهم الله به عارفين؟ أم لا يستطيعون؟ فإن قالوا: لا، فقد انتقض قولهم عليهم. وإن قالوا: نعم، فقل: هل يستطيعون أن يجهلوا معرفة الله؛ فلا يعرفون أنَّه خالق كل شيء ومصور كل شيء؟ فإن قالوا: هذه الفطرة، وليس يثاب أحد عليها، فالخلق كلهم يعرفون أنَّه الله، فقل: هل يستطيعون أن يجهلوا الليل والنهار والسماء والأرض والدنيا والآخرة والناس والخلق كلهم أن الله خلقهم كما شاء وكيف شاء؟، فإن قالوا: نعم، فقد كذبوا، والناس كلهم شهود على كذبهم، وإن قالوا: لا، فقد تابعوك.
تمت مسألته.
جوابها
وأما ما سأل عنه، فقال: هل يستطيعون أن يجهلوا ما يعرفون؟ أو يعرفوا ما يجهلون؟ فإن مسألته تخرج على ثلاثة معان، ونحن لها مفسرون، ولكلها إن شاء الله مميزون.(1/306)
أولها: معرفة الخالق، وهي لا تدرك إلاَّ بالعقل الصَّحيح والقلب النضيج. قال الله سبحانه: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر: 2]، وقال سبحانه: {لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الأَلْبَابِ} [ص: 29]، وقال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [ق: 37]، فإذا صح مُرَكَّبُ اللب، وثبت فهم القلب، ثُمَّ تدبر أمره جميع الخلق، وقصدوا في ذلك قصد الحق؛ تفرع لهم من الألباب وجودة فكرهم وإنصافهم لعقولهم ما يدلهم على معرفة خالقهم، وقدرة سيدهم ومالكهم، ودلهم ذلك على أن لما يرون من خلق أنفسهم واختلاف الليل والنهار وتصريف الرياح وغير ذلك من الأشياء خالقاً، ليس كمثله شيء، ولا يشبهه من (1) ذلك كله شيء، ألا تسمع كيف يدل على نفسه، بما أبان من قدرته في خلق سمواته وأرضه، وما بث فيهما كل أوان من صنعه، وينزل من السماء بقدر من رزقه؟ فقال سبحانه: {إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَآبَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ وَاخْتِلاَفِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الجاثية: 3ـ5]، فإذا صح للمخلوق لبه، وطاب له بالطاعة(2) قلبه، ثُمَّ فكر، وفي أمره كله تدبر؛ بان له أمر خالقه، وثبت في صدره اقتدار مصوره.
__________
(1) في (ط): ولايشبه في ذلك.
(2) في (أ): لله بطاعته.(1/307)
وأما المعنى الثاني: فما أمر الله العباد بعلمه، وحرم عليهم ما هم فيه من جهله؛ من الحلال والحرام، والصلاة والزكاة والصيام، والحج إلى بيته والوقوف بمشاعره العظام، وكل ما جاء به محمد عليه السلام، مما تعبد الله به العباد، وألزمهم فيه الاجتهاد، وهذا فلا يعلم ولا يسمع، إلاَّ بمخبر عن الله مستمع، متكلم بالحق مناد، ولمن خالفه في ذلك معاد(1)، وكذلك وبذلك بعث الله الأنبياء إلى عباده، ليؤدوا إليهم فرائضه وأمره، وينادوهم بذلك فيسمعوا، ويعلموهم إياه فينتصحوا [فينجوا](2)، ولو لم يكلموهم به، ويسمعوهم إياه؛ لم يقفوا على علم ذلك أبداً، ولم يعرفوا حدوده أصلاً، فلم يكن في الفرائض لهم بُدٌّ من مبلغين، ومرسلين مبشرين ومنذرين، ففعل الله بهم كذلك، وبعث إليهم الرسل بذلك؛ رحمة منه سبحانه لهم، وعائدة منه بفضله عليهم.
وأما المعنى الثالث: فهو ما أدرك وعلم بالتجربة؛ مما لم يكن ليدرك أبداً إلاَّ بها، ولا يصح لطالب إلاَّ منها. من ذلك ما أدركه المتطببون(3) من علم مايضر وما ينفع، وما يهيج وما يقمع، وما يقتل من السموم، وما يردع السم عن السموم، وما يفسد العصب وما يجتلب بأكله العطب، وغير ذلك مما يطول ذكره، ويعظم ـ لو شرحناه ـ أمره، مما لا يدرك أبداً، إلاَّ بالتجربة أولاً.
فمن هذه الثلاثة المعاني تصح المعارف كلها للعارفين، ويثبت الفهم للمتفهمين.
وقد يجهل ذلك كله من شاء أن يجهله، كما يعرفه من شاء أن يعرفه، بأهون الأمر، وألطف الخبر.
فأما التجربة فيجهلها من لم يجرب الأشياء.
__________
(1) في (ب): منآدّ، من الندود، وهو النفور.
(2) ليس في (أ)، و(ب).
(3) في (ط): المطبون.(1/308)
وأما الفهم والتمييز بالعقل؛ فقد يبطله شارب الخمر بشربه لخمره، فيزيل بذلك ما ركب فيه من لبه. ومن ذلك رقاد الراقد إذا رقد؛ لم يعلم ممن يدخل إليه أو يخرج عنه بأحد، والتبس عليه الليل والنهار، وعميت عنه ـ بكليتها ـ الأخبار، حتى ربما استرقد ليلاً فلا يعلم حتى يهجم عليه النهار، وربما رقد نهاراً فلا يعلم حتى يهجم عليه الظلام ويزول الإبصار.
فكيف يقول إن أحداً لا يقدر على جهل ما علم و علم ما جهل بسبب يعلم، ولا بحيلة تفهم؟ ألا ترى أن السكران يعلم في حال سلامة عقله؛ بما يشينه وينقصه ويفضحه من عمله؟ حتى لو أعطي من يدعي المروءة منهم ورشي جزاء من الرشاء(1) عظيماً ـ حين سلامة لبه ـ على أن يكشف له ثوباً، أو يبدي من نفسه عيوباً؛ لم يكن ليفعل، وإذا شرب وسكر لم يعلم له بسوآيه(2)، وجاءت وظهرت منه في نفسه ولها الفضيحة والنكاية، فهل ذلك إلاَّ من جهله [بما كان يعلم](3)، وقلة معرفته في تلك الحال بما كان يعمل؟ أو ما رأى مَنْ عَلِم عِلماً، ورَوَى رواية وحكماً، مِنْ عِلْمِ علماء، وحِكَمِ حكماء؟ بل مَنْ أحكم القرآن، وتلا عن ظهر قلبه الفرقان؛ ثُمَّ ترك قراءته دهرا؛ فجهل ونسي ما علم منه طرا؟ أو ما رأى من كان دهره جاهلاً، وعن كل خير وعلم غافلاً، ثُمَّ انتبه لنفسه، وأنف من جهله؛ فتعلم فعلم، ونظر ففهم؟!
__________
(1) في (أ)، و(ب): من الدنيا.
(2) تصحيف في ط إلى: لشرابه. والسواية: العورة وما يستحى منه.
(3) سقط من (أ).(1/309)
وكل ما ذكرنا ـ والحمدلله ـ فنقض لكل ما عنه سال، وظن بذلك أنَّه قد أحال في الكلام كل محال، ولم يعلم أنَّه في قوله قد أحال، وأخطأ في كل ما عنه سال، وتعسف في مدلهمات ظلم المقال، فكشفنا عنه وعن غيره من الخلق؛ ممن يريد ويقصد الحق؛ طخياء(1) ديجور جهله، وبينا له ماالتبس عليه من أمره؛ حين أقدم بالقول فقال: هل يقدر إنسان، أو قدر قط ذو بيان؛ على أن يجهل ماعلم، أو يعلم ما جهل، في حالة من الحالات، أو وقت من الأوقات؟ وزعم أن أحداً لا يدخله في ذلك أبداً ارتياب، ولا يجهله بسبب من الأسباب، وقد وجدنا ذلك بخلاف قوله، وعلمنا أن فعل ربه بخلاف فعله، لا ما نسب هو إلى ربه، وقلده سبحانه ما ليس من صنعه [فعلها](2)، فعلمنا أن الإبصار؛ إلى ظلام الليل وإشراق النهار؛ من فعل الإنسان، لا من فعل الرحمن.
ثُمَّ إن(3) المعرفة من العارف تفرعت من لبه، عند استعماله لفكره، واستخراجه ما أمر باستخراجه من التمييز بعقله، وقد نجد المبصر بعينه يبصر إلى ما يحل له ويحرم عليه، ولو كان البصر من الله لكان الله المدخل له فيه، الناظر الباصر دون الإنسان إليه، تعالى عن ذلك رب العالمين، وتقدس عن مقال الجاهلين.
تم جواب مسألته.
المسألة السادسة:
من خلق الكلام والنطق آلله أم الإنسان؟
__________
(1) في (ط): طمياء، وفي هامشه: أصلها من الطامة وهي المصيبة الشديدة.
(2) ليست في (ب). ولعل الصواب حذفها.
(3) في (ب): وأن.(1/310)