فلينظر من نظر في قولنا وقوله، وجوابنا لسؤاله، بلب حاضر، ورأيٍ حيٍ صادر؛ يبن له الحق إن شاء الله، ويثبت في قلبه الصدق. والحمدلله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه أجمعين، محمد خاتم النبيين، وعلى أهل بيته الطاهرين وسلم.
المسألة الأولى:
هل يستطيع الرسل ترك البلاغ والتغيير أم ألزموا ذلك
فكان أول ما سأل عنه أن قال: أخبرونا عن رسل الله من بني آدم، هل جعل الله لهم السبيل والإستطاعة إلى ترك البلاغ ولو شاءوا لغيروا ما أمروا به من تبليغ الوحي والعمل بالسنن؟ أو ألزموا على ذلك إلزاماً، فلا يستطيعون على تركه ولا الزيادة فيه ولا النقصان منه؟
فإن قالوا: نعم، قد جعل الله لهم سبيلاً واستطاعة لترك البلاغ؛ فلو شاءوا لغيروا ما نزل إليهم من كتابه وحكمته؛ فقد دخلوا في أعظم مما كرهوا؛ حين زعموا أن الرسل لو شاءوا لم يعبدوا الله بالتوحيد، ولم يعملوا له بطاعة، إذ زعموا أنهم كانوا يقدرون على كتمان الوحي والسنن.
فيقال لهم: وأنتم الآن لا تدرون هل بلغت الرسل كل ما جاءهم من الوحي والسنن أم لا؟
فإن قالوا: نعم، تقدر الرسل على كتمان الوحي والسنن إذا أرادت ذلك؛ احتُجَّ عليهم، وإن قالوا: لم تكن الرسل تقدر(1) على كتمان الوحي، ولا إبدال الفرائض، ولا ترك البلاغ؛ لأن الله ألزمهم البلاغ إلزاماً؛ فلا يقدرون على تركه وكتمانه؛ فقد أجابوا، وفي ذلك نقض(2) لقولهم.
[جوابها]:
بسم الله الرحمن الرحيم
فكان أول ما سأل عنه أن قال: أخبرونا عن قولكم فيما نسأل(3) عنه، نبئونا هل الأنبياء صلوات الله عليهم مستطيعون لعمل فعلين متضادين في حالين مختلفين؟
__________
(1) في (ط): يقدرون.
(2) في (أ): في ذلك بنقض قولهم.
(3) في (أ)، و(ب): نسألكم.(1/281)


وقولنا في ذلك، والله الموفق لكل رشد وخير، والدافع لكل سوء وضير، أن رسل الله صلوات الله عليهم قد أدوا ما أمرهم الله بأدائه على ما أمرهم، لم يشبهم في ذلك تقصير، ولم يتعلق عليهم في ذلك من التفريط(1) جليل ولا صغير، وأنهم كانوا في ذلك كله لأمر الله مؤثرين، وعلى طاعته سبحانه مثابرين، وأن الله سبحانه لم يكلفهم أداء الرسالة، حتى أوجد فيهم ما يحتاجون إليه من الإستطاعة، ثُمَّ أمرهم بعد ونهاهم، وكلفهم من أداء الوحي ما كلفهم، فبلغوا عنه ما به أمرهم، على اختيار منهم لذلك، وإيثار منهم لطاعته، وحياطة لمرضاته، لم يكن منه جبر لهم على أدائه، ولا ادخال(2) لهم قسراً في تبليغه، بل أمرهم بالتبليغ فبلغوا، وحثهم على الصبر فصبروا، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالاَتِهِ}[المائدة: 67]، فقال: بلغ ما أنزل إليك، ولو لم يكن التبليغ منه صلى الله عليه وآله باستطاعة وتخير لم يقل له: (بلغ)؛ إذ الأمر لمن لا يقدر أن يفعل فعلاً حتى يدخل فيه ادخالاً، ويقلب فيه تقليباً محال، لأن الفاعل هو المدخل لا المدخل، والمقلب لا المقلب، فلم يأمر الله عز وجل أحداً بأمر إلاَّ وهو يعلم أنَّه يقدر على ضده، فحثه بأمره على طاعته، ونهاه عن معصيته، ألا تسمع كيف يقول: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَومَ يَرَونَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاَغٌ فَهْلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القَومُ الفَاسِقُونَ}[الأحقاف: 35]، فأمره باحتذاء ما فعل من هو قبله من الرسل؛ من الصبر على الأذى والتكذيب، والشتم والترهيب، ولو كان الله سبحانه هو المدخل لهم في الصبر
__________
(1) في (أ): تفريط بجليل.
(2) في (أ): جبرا ولا إدخالاً، ويخرج على أن في يكن ضميراً عائداً على البلاغ أو نحوه.(1/282)


ادخالاً، ولم يكن منهم له افتعالاً؛ لقال: صبرناك كما صبرناهم، ولم يقل: اصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل. وكيف يأمر ذو الحكمة والفضل، مأموراً بما يعلم(1) أنَّه يفعله من الفعل؟ فجل الله عن ذلك، وتعالى عن أن يكون كذلك. فهل سمعه من جهله سبحانه يأمر أحداً من خلقه أن يفعل شيئاً مما هو من فعله، مما يتولى إحداثه فيهم؟ ويقضي به تبارك وتعالى عليهم، مما ليس لهم فيه فعل ولا افتعال، ولا تصرف باخراج ولا إدخال، مثل الموت والحياة وإيجاد السمع والبصر والأفئدة؟ بل ذكر ذلك كله عن نفسه، وأضاف فعله إليه بأسره، فقال: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ} [ق: 43]، ولم يأمرهم بأن يموتوا، ولا بأن يحيوا.
__________
(1) في (أ)، و(ب): لا يعلم.(1/283)


وقال سبحانه إخباراً عمن سلف، وتوقيفاً واحتجاجاً على من جاء بعدهم وخلف: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُم سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدةً فمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [ق:37]، فقال: جعلنا لهم، ولم يقل: اجعلوا، ولا تجعلوا(1). ثُمَّ قال: فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء [إذ فعل السمع والأبصار والأفئدة](2). فأراد سبحانه منهم ـ إذ فعل لهم الأسماع ـ أن يفعلوا هم الاستماع بها، فيستمعوا ما جاء به الرسول من أخبار من هلك من قبلهم، وإنذار من أنذر ممن هو أشد منهم بطشاً فلم يقبل الهدى فأهلك. قال الله سبحانه: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي البِلاَدِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ إِنِّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} [الأحقاف: 26]. فأراد إذ فعل لهم سمعاً أن يسمعوا به أخبار من نزل به ما نزل فينتهوا، ويسمعوا لرسله ويطيعوا، ويسلموا للحق ويجيبوا. وكذلك إذ فعل لهم أبصاراً أراد أن يبصروا بها إلى ما خلق من السموات والأرض وأنفسهم وما ذرأ وبث؛ فيعلموا أن لهذا خالقاً ومدبراً فيؤمنوا. وكذلك الأفئدة أراد بجعلها لهم ـ إذ أوجدها فيهم ـ أن يفكروا، ويدبروا فيعتبروا، ويميزوا فيهتدوا. ولو كان سبحانه وتعالى عن ذلك المتولي لفعل أفعالهم لم يحتاجوا إلى الإسماع والتبصير والتفكير(3)؛ إذ كان الله المتولي لإنفاذ ما أرادوا(4)، والممضي دونهم لكل فعل منهم؛ ولم يقل عز وجل: {فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ
__________
(1) في (أ): جعلوا.
(2) سقط من (ب)، و(ط).
(3) في (أ): الإستماع والتبصر.
(4) في (أ)، و(ب): ما أراد.(1/284)


أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ}، وكيف يستمعون إذا أسمعوا(1)، ويستبصرون إذا أبصروا(2)، وينتفعون إذا فكروا؛ وهم لا ينالون ذلك ولا يقدرون عليه، وغيرهم الفاعل له المصرف لهم فيه؟
فتعالى من فعله غير فعل خلقه، ومن أمر عباده باتباع حقه. ألا تسمع كيف قوله(3) سبحانه، وإخباره عن المؤمنين والفاسقين، فقال: {مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْراً} [النحل: 30]، وقال في الفاسقين: {مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ} [النحل:24]، فمدح المؤمنين على ما قالوا من الصدق في رب العالمين، وذم الفاسقين على قولهم الباطل في أحسن الخالقين.
ولو لم يكن العباد متخيرين، ولا مما أرادوا متمكنين، وكان الحامل لهم على أفعالهم، المدخل لهم في كل أعمالهم رب العالمين؛ لكان هو القائل لما نزل من الحق: (أساطير الأولين)، ولم يكونوا هم القائلون بما قالوا من قولهم، والناطقون بما أنطقهم، [ولم يكونوا](4) عند العدل الجواد الرؤوف الرحيم بالعباد بمذمومين، ولا عليه بمعاقبين. ففي أقل من ذلك حجة لذوي الإيمان(5) المميزين.
***
وأما ما قال: من أنهم إن كانوا صلوات الله عليهم قادرين على التبليغ والترك، وكان تبليغهم اختياراً منهم للطاعة على المعصية، ولرضاه على سخطه؛ فما يدريكم لعلهم قد تركوا وبدلوا، أو غيروا وخانوا، أو ستروا واجباً وخالفوا؟.
قيل له: في ذلك من الحجة والحمد لله أبين البيان، وأنور القول والبرهان، ألا تعلم(6) أيها السائل(7) أن الله سبحانه لا يزكي إلاَّ زكياً رفيعاً؟، ولا يذكر بالطاعة إلاَّ سامعاً مطيعاً؟، ولا بالأداء إلاَّ مؤدياً؟.
__________
(1) في (أ): سمعوا.
(2) في (أ)، و(ب): بصروا.
(3) في (أ): لقوله.
(4) زيادة ليستقيم الكلام.
(5) في (أ): الإيقان.
(6) في (أ): تسمع.
(7) في (أ)، و(ب): القائل.(1/285)

57 / 209
ع
En
A+
A-