فنقول: إن معنى الوجه في الله(1) هو الله، ومعنى الكرسي في الله هو الله، ومعنى العرش في الله هو الله، لا شك في ذلك عندنا ولا ارتياب فيه.
ونقول: إن معنى قول الله سبحانه: {فَأَينَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}[البقرة: 115]؛ كمعنى قوله: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ}[البقرة: 255]، ومعنى قوله عند ذكر الوجه: {إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}[البقرة: 114] كمعنى قوله عند ذكر الكرسي: {وَلاَ يَؤُدُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ}[البقرة: 255]، وكمعنى قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى}[طه: 5].
وإنما هذه الثلاثة أصْنَافٍ كلها تشريف لله عزَّ وجل.
فالوجه الذي ذكره الله: يستدل به على بهآئه وحسن عظمته.
والكرسي يستدل به على ملكه، ومعنى يستدل به على ملكه أنَّه يستدل به عليه؛ لأنَّه الملك نفسه، وليس شيء مما خلق يزيد في ملكه.
وكذلك الوجه يستدل به عليه.
وكذلك العرش يستدل به عليه؛ لأنها أمثال قدمها الله تحكي من حسن الله وبهائه، أعني حسنه في ذاته، وبهائه في ذاته، وليس ذلك الحسن والبَهَاء الذي هو لله عزَّ وجل على شيء من صفات حسن الخلق وبهائهم(2).
__________
(1) في (ج): إن المعنى في الوجه في الله.
(2) يريد عليه السلام أنها أمثال ليس المراد بها معانيها الحرفية المحسوسة بل ما تدل عليه مما وراء ذلك، فهي تمثيل وتخييل لعظمة اللّه وجليل سلطانه وبهائه وعظيم ملكوته وجبروته مع البعد كل البعد عن معانيها الحسية.(1/266)


ولا نَصِفُ الله عزَّ وجل بشيء من صفات البشر، بل نقول: إن معنى ذلك كله ـ إذ يعود كل صنف إلى أصله ـ أنَّه هو الله عزَّ وجل لا غيره، وليس نقول: إن ثم عرشاً مخلوقاً، ولا كرسياً مخلوقاً، ولا وجهاً مخلوقاً. وليس شيء من هذه الثلاثة الأمثال ـ العرش والكرسي والوجه ـ يوجد أبداً بصفة من الصفات، ولا بحلية من الحليات(1)، إنما المعنى في هذا كله الله الذي لا إله غيره(2) وحده لا شريك له.
فإن قال قائل، أو سألنا سائل، فقال: ما معنى العرش الذي ذكره الله في كتابه؟
قلنا له: اسم يدل على الله في ارتفاعه، وعلوه فوق خلقه، من أهل سماواته وأرضه.
فإن قال لنا: ما الكرسي الذي ذكره الله في كتابه؟
قلنا له: اسم يحكي عن صفات الله في ذاته.
فإن قال: وكيف صفات الله في ذاته؟
قلنا له: إن الكرسي يدل على الله، وهو اسم من أسماء ملك الله، وليس ثم شيء سوى الله.
ومعنى {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ} أنَّه وسع السموات والأرض بكرسيه، ومعنى وسع السموات والأرض بكرسيه، أي وسع السموات والأرض بعلوه واقتهاره، أو لا تسمع إلى قوله: {وَلاَيَؤُدُهُ حِفْظُهُمَا}؟ يريد سبحانه أن السموات والأرض لا يحفظانه، يخبر أنهما لا يمسكانه، وكيف يمسكانه أو يحفظانه عزَّ وجل، وهو يخبر أنه خارج منهما، محيط بأقطارهما، وَاصِلٌ بمن ورائهما ووراء ورائهما، إلى ما لا يصل إليه غيره عزَّ وجل؟!
وقد قال النبي صلى الله عليه لأبي ذر رحمة الله عليه: (( يا أبا ذر، ما السموات والأرض في الكرسي إلاَّ كحلقة ملقاة في الأرض ))، يقول صلى الله عليه وعلى آله: ما السموات والأرض بأقطارهما في ورائهما(3) مما هو أوسع منهما من حد أقطارهما إلى مالا منتهى له؛ إلاَّ كالحلقة الملقاة في الأرض.
__________
(1) في (أ، ج): الحلات، ولعلها: بخلة من الخلات.
(2) في (ب): لا إله إلا هو.
(3) في) هنا بمعنى (مع).(1/267)


فأخبر صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ بعظمهما وجسمهما ـ أنهما داخلان في الكرسي كدخول الحلقة في الأرض، فما لَعَسَى موضع الحلقة الملقاة من الأرض، أليس كأنَّما وراء الحلقة من أقطار الأرض إلى تخومها وجبالها، وأشجارها وأنهارها، وما فوقها وتحتها؛ أوسع وأعظم وأرحب مما حوت الحلقة منها؟ وكانت الحلقة أصغر شيء منها، وكان القليل الحقير الصغير اليسير ما قد وسعه الله وأحاط به، وهو يخبر سبحانه أنه هو الذي وسعهما وأحاط بهما حتى صارتا بعظمهما وكبرهما في إحاطة علمه كالحلقة الملقاة في الأرض، ومعنى قولي: في إحاطة علمه، أي في إحاطته بنفسه؛ لأنه لا علم له غيره، فالله عز وجل قد أحاط بالسماوات والأرض كإحاطة الأرض بالحلقة الملقاة في جوفها، وهاهنا والله تاهت العقول، وضلت الأحلام، وانقطعت الفكر في الله عز وجل.(1/268)


وفي كتاب الله عز وجل تصديق هذا الحديث عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قول الله عز وجل: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ}[البقرة: 255]، يخبر أنه هو الذي وسع السموات والأرض وأنهما لم تسعاه ولم تحوياه، ولم تمسكاه ولم تحفظاه، بل كان هو عز وجل المحيط بهما والواسع لهما، والممسك لهما والحافظ لهما. وذلك قوله عز وجل: {إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُوْلاَ وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيْماً غَفُوْراً}[فاطر: 41]، يخبر عز وجل أنه يمسك السموات بعظمها في الهواء، ويمسك السموات السبع أيضاً، وكل سماء منهن أعظم وأوسع مما دونها. وكذلك الأرضون السبع، كل أرض أوسع مما فوقها، لأن السماء العليا مشتملة على السماء السفلى، وكذلك الأرضون والسماوات السبع معلقات في الهواء لا يرفدهن شيء، ولا يمسكهن إلا الله عز وجل، وكذلك الأرضون، فكل ذلك في الهواء لا يمسكهن إلا الله عز وجل. وليس من وراء هذا شيء يمسك الله، هو أصغر وأحقر وأضعف، والله فأوسع منه وأعظم.
والدليل على أن الله أوسع من السموات والأرض قوله عز وجل: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ}[البقرة: 255]، فأخبر أن السموات والأرض داخلتان في كرسيه، يريد أنهما داخلتان في قبضته، وأنهما أصغر صغير وأحقر حقير عنده؛ إذ كان الممسك لهما في الهواء، ولولا إمساك الله لهما لسقطت السموات والأرض.(1/269)


وما إمساك الله للسماء في مستقرها، بعظمها وجسمها ورحبها؛ إلا كإمساك الطير في جو السماء، لا فرق بينهما عند الله عز وجل إلا بزيادة الخلق في سعة السماء، والسماء والطير في ضعفهما وصغرهما ودناءتهما سواء سواء، وكلاهما فقد صار إلى الهواء، وقد قال الله سبحانه فيهما: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}[الحج: 65]، وقال في الطير: {أَلَمْ يَرُوا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِيْ جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ}[النحل: 79]، فصير الطير بضعفه وصغره كالسماء بعظمها وجسمها، لا يمسكهما غيره.
فمن قال إن لله عز وجل عرشاً في السماء يحيط به(1) فقد زعم أن العرش أوسع منه وأعظم، وأقوى وأجسم، فزعم أن العرش هو المحيط بالأشياء ليس الله، وأن العرش هو الواسع ليس الله، وأن العرش هو القوي ليس الله، ويزعم في زعمه أن الله أصغر من العرش؛ إذ كان في زعمه في جوف العرش، وكان العرش مشتملاً عليه محيطاً به، فصير العرش ربه، وزعم أن العرش هو الواسع العليم؛ إذ زعم أنه أوسع من الله العزيز الحكيم، وأخرج الله عز وجل من قوله: {اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ}[النور: 35]، يريد: أن بحياته حييتا، وبقدرته استقامتا، ولولا هو لزالتا، وامحتا وهلكتا، وهلك ما عليهما لولا إحياءه لهما.
__________
(1) في (أ): محيطاً به.(1/270)

54 / 209
ع
En
A+
A-